ترجمات

معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي: الولايات المتحدة والحرب ضد حماس

7 نوفمبر 2023.

إلداد شافيت:  رئيس وحدة الاستخبارات السابق في مكتب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء الإسرائيلي

كيف يمكن تمديد المهلة التي منحتها الإدارة الأمريكية لتل أبيب لشن حملتها العسكرية على غزة، قبل الضغط على إسرائيل لإنهاء الحرب؟

تُواصل الإدارة الأمريكية تقديم الدعم السياسي لإسرائيل لمواصلة الحرب ضد حماس، ومع ذلك يتعين على إسرائيل أن تتجنب اعتبار صبر الولايات المتحدة أمرًا مفروغًا منه، وأن تتذكر أنَّه عند نقطة معينة، ربما قريبًا إلى حد ما، لن تعود الساعة السياسية الأمريكية متزامنة مع الساعة العسكرية الإسرائيلية. لذا لا بُدَّ من إعطاء الأولوية لسياسة تدعم الحفاظ على الالتزام الأمريكي وتؤمن مساحة العمل السياسي لتمكين استمرار القتال حتى تحقيق الأهداف العسكرية.

منذ بدء الهجوم البري على قطاع غزة، واصلت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس بايدن تقديم دعمها المطلق لإسرائيل. يؤكد الرئيس وكبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية مرارًا وتكرارًا أنَّ لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، وعامة توافق الإدارة على هدف الحرب كما حددته إسرائيل: هزيمة حماس. وكرر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن ذلك مرة أخرى في مؤتمر صحافي مع وزراء الخارجية العرب في 4 نوفمبر الجاري. هناك حوار مستمر بين القيادتين الأمريكية والإسرائيلية، على ما يبدو حول القضايا الآتية:

المساعدات الإنسانية لقطاع غزة: يبدو أنَّ إسرائيل قد عدلت سياستها بما يتوافق مع مطالب واشنطن، ويركز الحوار حاليًّا على المطالبة بهدنة إنسانية، وذلك بالأساس للسماح بإطلاق سراح الرهائن، على الرغم من أنَّه بناءً على التصريحات العامة، لا يوجد حتى الآن اتفاق حول هذا الموضوع. وعلى أي حال، تؤكد الإدارة الأمريكية أنَّها لا تتحدث عن وقف إطلاق نار، إذ تعتقد أنَّه سيخدم مصالح حماس.

التقيد الصارم بقوانين النزاعات المسلحة، بما في ذلك فصل العدو عن السكان المدنيين وبذل الجهود لتجنب إيذاء المدنيين قدر الإمكان. وقد طالبت واشنطن بإدراج هذه الجهود في الخطط العملياتية، ويبدو حتى الآن أنَّ التحركات الإسرائيلية، خاصة الفصل بين شمال القطاع وجنوبه، وتحديد “مناطق آمنة” للسكان المدنيين، تلبي التوقعات الأمريكية.

الانخراط في مسألة “اليوم التالي للحرب”: في هذه القضية هناك انقسام واضح بين وجهات نظر إسرائيل وآراء الرئيس بايدن وإدارته، فبعد لقائه مع رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله، قال بلينكن “أعتقد أنَّ الأمر الواضح هو أنَّه فيما يتعلق باليوم التالي، وفيما يتعلق بمستقبل غزة والضفة الغربية، فإنَّ وجهات النظر الفلسطينية والأصوات الفلسطينية والتطلعات الفلسطينية تحتاج إلى أن أكون في قلب ذلك”. وليس من الواضح إلى أي مدى ستؤثر هذه الخلافات في المتنفس الذي تمنحه الإدارة الأمريكية لإسرائيل، رغم أنَّه لا شك أنَّ غياب الاستعداد الإسرائيلي لمناقشة الموضوع سيكون له تأثير سلبي على صبر واشنطن على الحملة العسكرية المستمرة، وسيزيد من شكوكها حول أهداف إسرائيل لليوم التالي للحرب.

أظهر الدعم العاطفي الذي قدمه الرئيس بايدن لإسرائيل وشعوره الواضح بالألم في أعقاب هجوم حماس، الذي انعكس في خطاباته المتعاطفة مع إسرائيل، أنَّه لا يرى أنَّ هذه مجرد جولة أخرى من الأعمال القتالية. بل إن هذا حدث ستكون له، بالإضافة إلى تشكيل النفسية الإسرائيلية، أهمية كبيرة على الساحتين الإقليمية والدولية سنوات قادمة. ويُنظر إلى هذه الحرب على أنَّها جزء من الصراع العالمي بين “الخير” و”الشر” الذي يشمل في نظر بايدن الصين وروسيا وإيران والجهات التي تدعمها طهران.

إنَّ إظهار الدعم العملي لحليفتها إسرائيل مستمد من وجهة نظر الرئيس بايدن بأنَّ الولايات المتحدة يجب أن تدافع عن حلفائها. وهذا مشابه للنهج الذي أظهرته الإدارة في دعمها لأوكرانيا منذ بداية الحرب مع روسيا. وعلاوة على ذلك، ترى الإدارة أيضًا في الحرب فرصة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. وقد صرح بايدن فعلًا أنَّه لن تكون هناك عودة إلى “الوضع الراهن الذي كان موجودًا في 6 أكتوبر”. ومن وجهة نظره، فإنَّ هزيمة حماس على يد إسرائيل ستساعد في تقوية الدول “المعتدلة” في المنطقة وتعزيز الحل السياسي للقضية الفلسطينية وتشجيع التطبيع بين إسرائيل والدول العربية وعلى رأسها السعودية. ومن ناحية أخرى، فمن الواضح للإدارة الأمريكية أنَّ فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها ضد حماس سيعزز دوافع إيران وحزب الله لتحدي إسرائيل، الأمر الذي سيؤثر في مكانة الولايات المتحدة في المنطقة وخارجها.

إنَّ موقف الإدارة الأمريكية مهم أيضًا بالنسبة للجبهة الداخلية للولايات المتحدة: مع تزايد الانتقادات للحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، وبالتالي الدعم الأمريكي للإسرائيليين، فإنَّ الرئيس حريص على تعزيز صورته كقائد، خاصة في بداية عام الانتخابات.

الحملة العسكرية: تريد واشنطن أن تنجح الحملة العسكرية الإسرائيلية، وقد قدمت عناصر أمريكية المشورة لإسرائيل وما زالت تقدم المشورة لها؛ على الرغم من أنَّه لا يبدو أنَّ لديها خُطة عسكرية بديلة لضمان نجاح العملية.

إذا نُظِرَ إلى الجيش الإسرائيلي على أنَّه غارق في الوضع وغير قادر على تحقيق هدف هزيمة حماس، فإنَّ الإدارة الأمريكية ستكون أقل رغبة في منح إسرائيل الوقت. وفي كل الأحوال قد يكون هناك فرق بين الوقت اللازم لتحقيق الأهداف العسكرية الإسرائيلية المعلنة (أشهر أو أكثر) ومطالب الإدارة (أسابيع قليلة على الأكثر). ولا تجري واشنطن نقاشًا عامًا مع إسرائيل حول الجانب العسكري للعملية، على الرغم من أنَّ وسائل الإعلام الأمريكية ذكرت أنَّ هناك بعض الانتقادات لإسرائيل في هذا الشأن داخل الإدارة الأمريكية.

الوضع الإنساني في قطاع غزة: تستثمر واشنطن حاليًّا في الجهود الرامية إلى تسليط الضوء على أهمية ضمان وصول المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، بما في ذلك الجهود الرامية إلى تحقيق “هدن إنسانية”، التي تقول إنَّها ستساعد في إطلاق سراح الرهائن ومساعدة المدنيين في غزة دون الإضرار بالمجهود الحربي الإسرائيلي ضد حماس. حتى الآن لا تزال الإدارة تعارض وقف إطلاق النار، لكن أي حادث يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين مثل قصف مستشفى و/أو أزمة إنسانية حادة مثل تفشي الأمراض يمكن أن يدفع الإدارة إلى المطالبة بوقف إطلاق النار.

التدهور الإقليمي: تبذل واشنطن جهودًا كبيرة لمنع اتساع الحرب إقليميًّا، وقد حُدِدَ هذا الخطر مباشرة بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر بالنقب الغربي وأُرسلت رسائل إلى إيران وحلفائها عبر عدة قنوات تحذرهم من محاولة توسيع الحرب. ويبدو أنَّ الخوف من نشوب حرب إقليمية وحدوث عواقب عالمية، يدفع الإدارة الأمريكية حاليًّا إلى احتواء ردها على الهجمات التي يشنها حلفاء إيران على أهداف أمريكية في العراق وسوريا، ومع ذلك فإنَّ تصعيد الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله و/أو الأعمال ضد أهداف أمريكية، خاصة إذا كانت تنطوي على العديد من الضحايا، سوف يجبر الإدارة على الرد.

سلوك الحكومة الإسرائيلية: المنطق الذي يكمن وراء دعم بايدن للعمل العسكري هو أنَّ نجاحه سيفتح الطريق أمام عملية سياسية إسرائيلية – فلسطينية تخدم حل الدولتين. وحتى لو لم يكن من الواضح ما إذا كان هذا الهدف قابلًا للتحقيق، فمن المهم بالنسبة للإدارة أن تتصرف الحكومة الإسرائيلية بمسؤولية وأن تتجنب أي أعمال في الضفة الغربية قد تؤدي إلى نسف هذه الرؤية.

يدين المتحدثون باسم الإدارة الأمريكية بشدة عنف المستوطنين تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية، ويخشون أن تؤدي مثل هذه الأعمال إلى زيادة تآكل قدرة الولايات المتحدة على دعم إسرائيل لوجستيًّا ومعنويًّا. علاوة على ذلك، من الممكن أن تفترض واشنطن أنَّ الوضع السياسي في إسرائيل سيتغير بعد الحملة العسكرية، وهو ما يمكن أن يسهل الترويج للتحركات السياسية. إذا كانت الإدارة الأمريكية تعتقد أنَّ إسرائيل غير مستعدة لمثل هذه النتيجة، أو حتى أنَّها تعمل بوعي ضد منطق التسوية السياسية في “اليوم التالي للحرب”، فسيكون من الصعب عليها الاستمرار في دعم إسرائيل بينما تواصل حملتها العسكرية.

القضايا الداخلية الأمريكية: على الرغم من أنَّ الإدارة الأمريكية لا تبدو في الوقت الحاضر قلقة من تداعيات سياساتها على الوضع السياسي للرئيس بايدن مع اقتراب عام الانتخابات، فإنَّه من الواضح بالفعل أنَّه مع تضاعف صور الضحايا المدنيين والدمار في قطاع غزة، فإنَّها ستواجه انتقادات متزايدة لدعمها لإسرائيل، خاصة بين شرائح الجمهور التي تدعم الحزب الديمقراطي تقليديًّا.

 وتشير استطلاعات الرأي التي أجريت في الولايات المتحدة إلى تزايد الانتقادات بين الناخبين الديمقراطيين الشباب، فضلًا عن فقدان الدعم للإدارة بين الناخبين المسلمين، خاصة في ولايات مثل ميشيغان التي يبلغ عدد سكانها المسلمين حوالي 3 % من إجمالي السكان، الأمر الذي قد يقلب الموازين في الانتخابات الرئاسية لعام 2024. هناك أيضًا تقارير إعلامية عن ثورة تختمر في وزارة الخارجية الأمريكية بقيادة عناصر تنتقد سياسة إدارة بايدن.

في جولات القتال السابقة على الساحة الإسرائيلية الفلسطينية، خاصة بين إسرائيل وحماس، سرعان ما تضاءل أي تناقض بين وسائل الإعلام والرأي العام في أوروبا والولايات المتحدة تجاه إسرائيل والدعم لتصرفاتها. في المقابل، في الأسابيع التي تلت بداية الحرب الحاليَّة، ظل قادة هذه الدول ثابتين في دعمهم لإسرائيل، على الرغم من الانتقادات العامة المتزايدة. ومن الواضح أنَّ الرئيس بايدن وإدارته هما القائدان الراسخان لهذا التوجه على الأقل علنًا، وباستثناء جوانب الجهود المبذولة لإرسال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، لا يوجد فرق كبير بين الإدارة الأمريكية ومعظم القادة الأوروبيين بشأن مسألة دعم إسرائيل.

أما إسرائيل، فإنَّ موقف الإدارة الأمريكية هو الذي سيحدد فترة التنفس التي تمكنها من متابعة أهدافها العسكرية في الحرب ضد حماس. لذلك بالإضافة إلى الجهود العسكرية، يجب على إسرائيل التركيز على ضمان الدعم الأمريكي أطول فترة ممكنة من أجل تحقيق أهدافها العسكرية مع ردع حزب الله عن التصعيد الذي من شأنه توسيع الحرب إلى الجبهة الشمالية.

إنَّ الهدف المباشر هو منع الدعوات المتزايدة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة. وعلى الأقل لا تزال الإدارة الأمريكية تدرك أنَّ وقف إطلاق النار، على عكس الهدنة الإنسانية القصيرة، من المرجح أن يؤدي إلى تعزيز الضغوط لوقف القتال، وبالتالي السماح لحماس بالتعافي، بل وحتى استعادة بعض قدراتها الحكومية والعسكرية. من المؤكد أنَّ إسرائيل ليس لها تأثير مباشر على بعض العناصر التي تملي موقف واشنطن، ومع ذلك فبالإضافة إلى تسليط الضوء على جهود إسرائيل لدعم مبادئ المساعدات الإنسانية وحماية أرواح المدنيين في غزة، إذا كان من الممكن عرض أهداف الحرب بوضوح بطريقة تظهر أنَّها قابلة للتحقيق، فإنَّ هناك فرصة أكبر للاحتفاظ بدعم الإدارة الأمريكية لإسرائيل.

وحتى في ظل الواقع السياسي الصعب الذي تعيشه إسرائيل، فمن الأهمية بمكان أن نقدم مخططًا قابلًا للتطبيق لحل سياسي يأخذ المصالح والأفكار الأمريكية في الاعتبار. وفي هذا السياق، يجب على المتحدثين الرسميين الإسرائيليين، خاصة الشخصيات الرسمية، تجنب التصريحات التي توفر الوقود لمعارضي إسرائيل وتقدم أسبابًا لسحب الدعم. ومن الضروري بالأخص أن نفكر في “اليوم التالي للحرب”، مع تجنب التعبيرات الضارة وغير الواقعية مثل “احتلال غزة” أو “تهجير الفلسطينيين”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى