لم تكن باكستان حاضرة في المنطقة كما هي اليوم؛ تعاون عسكري متزايد، واتفاقيات للدفاع المشترك، وصفقات تسليح، ودبلوماسية نشطة، في مقابل تحديات تفرضها الجغرافيا، وحسابات التوازن الإقليمي، ومحدودية الإمكانات الاقتصادية.
ومن أحدث مظاهر هذا الحضور توقيع باكستان والكويت، في 27 أغسطس/آب 2026، بروتوكول تعاون دفاعي يشمل التدريب والدعم اللوجستي والمناورات العسكرية وتبادل المعلومات، إلى جانب التعاون في مجال الصناعات الدفاعية. ويضيف الاتفاق مسارًا جديدًا إلى شبكة العلاقات العسكرية التي تعمل إسلام آباد على تعزيزها في المنطقة.
البحث عن حماية
تأتي الاتفاقية في سياق توجه لدى دول الخليج نحو تنويع شراكاتها الدفاعية، في ظل تراجع الاطمئنان إلى كفاية الضمانات الأمريكية. كما يدفع الحجم الجغرافي والسكاني للكويت إلى البحث عن شركاء خارجيين يعززون قدرتها على مواجهة التهديدات الإقليمية. ومع أن باكستان، أو غيرها من القوى، ليست مرشحة حاليًا للحلول محل الولايات المتحدة بوصفها الحليف الاستراتيجي الرئيسي للكويت، فإن توسيع شبكة الشراكات يتيح للأخيرة قدرًا أكبر من التحوط وتنويع الخيارات، وربما يمهد مستقبلًا لانضمامها إلى حلف مكة.
وبحسب رويترز كانت الكويت تطمح لالتزام دفاعي أقوى بما يتضمن نشر قوات باكستانية على أراضيها مقابل التعاون في مجالي الطاقة والاستثمار، لكن الاتفاقية جاءت متواضعة مقارنة بالمطالب الكويتية؛ فربما تريد باكستان أن يكون ضمان الأمن جماعيا تحت مظلة "حلف مكة" لتجنب أن تؤدي الترتيبات الثنائية المتزايدة إلى فرض التزامات أحادية عليها أكثر من اللازم.
ومن ناحية أخرى، فإن بسط مظلة دفاعية باكستانية لتشمل مزيدًا من دول الخليج، ولا سيما في ظل حالة الحرب الراهنة، من شأنه أن يضيّق هامش الخيارات العسكرية الإيرانية، كما سيزيد في الوقت نفسه احتمالات الاحتكاك بين إسلام آباد وطهران، ويضع ضغوطًا إضافية على علاقتهما. وهنا تبرز إحدى المعضلات الرئيسية أمام السياسة الباكستانية في المنطقة: الموازنة بين الوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه السعودية وتوسيع شراكاتها الخليجية من جهة، والحفاظ على علاقتها بإيران وتجنب الانجرار إلى مواجهة معها من جهة أخرى.
ما الذي تجنيه إسلام آباد؟
تكشف ارقام الموازنة الباكستانية عن دعم كويتي بلغ 26 مليون دولار خلال السنة المالية 2025 – 2026، وهو مبلغ محدود مقارنة بأكثر من 4 مليار دولار وفرتها السعودية في نفس الفترة، لكن عام 2026 شهد، بالتزامن مع مفاوضات الاتفاق الدفاعي، زخمًا ملحوظًا في المحادثات بين الوفود الباكستانية والكويتية بشأن توسيع التعاون في مجالات التجارة والطاقة والاستثمار في البنى التحتية والموانئ الباكستانية.
وتندرج هذه التحركات ضمن نهج باكستاني يسعى إلى تعزيز شبكة الشركاء ومصادر الدعم والاستثمار، بدلًا من الاعتماد على عدد محدود من الدول. كما يمنح انخراط إسلام آباد في ترتيبات الأمن الإقليمي، وأدوار الوساطة، وصفقات التسليح، نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا تستطيع توظيفه لموازنة العلاقات الخليجية المتنامية مع الهند، خصوصًا في أعقاب طرح مشروع الممر الاقتصادي الذي يفترض أن يربط الهند بالخليج ثم بأوروبا، متجاوزًا باكستان. وفي الوقت نفسه، يتيح تعزيز الشراكات العسكرية وصفقات التسليح لإسلام آباد فرصة لتحويل قطاع الصناعات الدفاعية إلى رافعة اقتصادية ومصدر إضافي للعملة الأجنبية.
هل تتمدد باكستان أكثر من اللازم؟
في عام 2023 كادت باكستان تتخلف عن سداد ديونها السيادية مع تأخر صرف دفعة من قرض صندوق النقد الدولي البالغ 3 مليار دولار، قبل ان يوافق الصندوق في العام التالي على قرض آخر بقيمة 7 مليار دولار.
تعتمد إسلام آباد على القروض والمساعدات الخارجية لتلبية احتياجاتها التمويلية، ومع بيئة خارجية مضطربة وضعف الاستثمار وارتفاع أسعار الطاقة، تواجه وضعا اقتصاديُا صعبًا.
وفي حين قد تحمل الاتفاقات الثنائية فرصا اقتصادية وتمويلية لكنها أيضا تحمل التزامات قد تؤدي في حال نشوء اضطرابات إلى ضرر للاقتصاد الباكستاني؛ يشبه ذلك إلى حد ما الحالة المصرية؛ حيث كانت دول الخليج تتوقع أن تُبادل القاهرة المساعدات الاقتصادية بالتزامات أمنية، ومع اختبار هذه الفرضية اعتبرت دول الخليج أن القاهرة لم تحقق ذلك، فقلصت دول الخليج مساعداتها المالية، ما أثر سلبًا على الاقتصاد المصري.
وضمن هذا النهج، طالبت الإمارات إسلام آباد بسداد قرض بقيمة ٣.٥ مليار دولار فورا، ردًا على ما اعتبرته موقفاً ضعيفا من إسلام آباد على الهجمات الإيرانية، فضلاً عن عدم رضى أبوظبي عن الاصطفاف الباكستاني بجانب السعودية في القضايا الاقليمية؛ ورغم مسارعة الرياض لمساعدة باكستان في سداد القرض الاماراتي بتقديم ٣ مليارات دولار، إلا أن ذلك ترك إسلام آباد في أزمة الاعتماد المفرط على المساعدات الخارجية المشروطة. ولذا لم تكن مصادفةً ان ينشر الجيش الباكستاني طائرات مقاتلة وطائرات دعم للمساعدة في حماية الأجواء السعودية.
أما من جهة المخاطر السياسية فقد وصفت مجموعة الازمات الدولية جهود الوساطة الباكستانية مع تزايد التزاماتها تجاه أمن الخليج وعلاقتها المعقدة بإيران أنها مثل "السير على حبل ديبلوماسي مشدود". ففي حال تصعيد الصراع إلى مستويات أعلى قد تجد باكستان نفسها مرغمة على الاصطفاف بجانب طرف ما؛ وإذا تم تفعيل الدفاع المشترك مع السعودية قد تخاطر باكستان -التي تضم ثاني أكبر كتلة شيعية في العالم- بنشوء اضطرابات داخلية أو توتر العلاقة مع طهران، وفى حال بقيت على الحياد قد ينهار تحالفها مع الرياض وتتضرر صداقتها بواشنطن.
وقد تحدث إحدى هذه الاختبارات خلال فترة قصيرة؛ حيث نقلت وكالة تسنيم للأنباء أن إيران استبدلت موانئ الإمارات بالموانئ الباكستانية، فضلا عن عمل الحدود الباكستانية الطويلة مع إيران كمعبر ضخم للبضائع في كلا الاتجاهين، وهو ما قد تنظر له واشنطن كمقوض لعملية "المنبوذ الاقتصادي" التي توليها أهمية بالغة.
ومن ناحية أخرى، فالتحديات على جوانب الحدود الباكستانية الثلاث في الهند وأفغانستان وإيران تحظى بالأولوية الاستراتيجية للسياسة الباكستانية، ولذلك فإن التمدد خارج نطاق دائرة الأمن التقليدية، قد يفرض تحديات صعبة في جنوب ووسط آسيا.
إعادة تعريف الهوية الجيوسياسية
تزامن صعود الدور الباكستاني بتحسن لافت للعلاقات مع الولايات المتحدة اتسم بطابع شخصي؛ حيث استغلت باكستان اتفاقية وقف إطلاق النار الموقعة مع الهند 2025 لنسبة الفضل لترامب وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، وتلا ذلك استقبال ترامب لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير مرتين في البيت الأبيض ووصفه بأنه "مارشاله المفضل"؛ ومع ذلك فليس واضحاً مدى استمرار هذا التحسن بعد ولاية ترامب، خصوصا مع صعود التنافس مع الصين -حليف باكستان الوثيق- والتوجه داخل المؤسسات الأمريكية للتحالف مع الهند.
ومن هذا المنظور تعد فترة تحسن العلاقات فرصة لتوسيع نفوذ باكستان الإقليمي؛ فخلال أشهر قليلة وقعت إسلام آباد -إضافة للاتفاقية مع الكويت وحلف مكة- اتفاقية تعاون عسكري مع الصومال وأبرمت صفقات دفاعية مع ليبيا والسودان وتحدثت تقارير إعلامية عن توريد نظم قيادة وسيطرة إلى سوريا.
والملاحظ بشأن التحركات الباكستانية أنها تحدث في ساحات تحظى باهتمام دول حلف مكة، ما يُفسر على أنه انخراط منسق مع الرياض وأنقرة، على غرار الدعم الباكستاني- التركي المشترك لأذربيجان إبان حرب قره باغ.
لقد كان انخراط باكستان -تاريخيا- في قضايا المنطقة متقطعا وموسميا دون أن تتبنى استراتيجية متسقة تجاه الإقليم. والآن: تعيد إسلام آباد تعريف عمقها الجيوسياسي مع زيادة احتكاك الفضاءات الجغرافية بعضها ببعض، فباكستان تتربع على تخوم الشرق الأوسط الذي تختلف تعريفاته فتتوسع لتضمها أو تضيق فتخرجها منه، لكن التعريف لم يعد مهما؛ فقضايا مثل الامن والطاقة والاقتصاد وممرات التجارة تجبر باكستان وتحفزها على الانخراط الفعال.
تنامي موجة الأمن الجماعي
تتماشى الترتيبات الأمنية والاتفاقات الدفاعية الناشئة في المنطقة مع التوجه الذي تطرحه وثيقة الدفاع الوطني الأمريكية، التي ترى أن الحليف النموذجي هو القادر على تحمل أعباء الدفاع عن مصالحه بنفسه، والإسهام في حماية المصالح الأمريكية داخل منطقته، مع استعداد واشنطن لتقديم دعم حاسم عند الضرورة، من دون الانخراط في التزامات طويلة الأجل.
كذلك، تؤدي الأزمات المتزامنة في عدة ساحات حول العالم إلى اتساع الفراغات، بما يتيح للقوى المتوسطة مجالًا أكبر للاضطلاع بأدوار مؤثرة في الترتيبات الإقليمية. فأوروبا باتت تمنح الأولوية للتهديد الروسي والحرب في أوكرانيا، فيما أفسح انحسار النفوذ الروسي في سوريا مساحة كبيرة أمام قوى إقليمية أخرى.
وتؤدي إعادة تعريف الدور الأمريكي، بالتزامن مع تصاعد المخاطر وتحولات النظام الدولي، نظريًا، إلى زيادة أهمية الترتيبات الأمنية الجماعية، خصوصًا في ظل تداعيات الحرب الأمريكية على إيران، وتصاعد المخاوف الإقليمية من إسرائيل بوصفها قوة عسكرية طموحة ومستعدة لاستخدام قوتها خارج حدودها.
ومن شأن الترتيبات الأمنية الجماعية، إذا نجحت في اكتساب قدر من التماسك والاستمرارية، أن تمنح الدول المشاركة فيها وزنًا دوليًا أكبر وصوتًا أكثر تأثيرًا في واشنطن، فضلًا عن تعزيز فرص تحويل التعاون السياسي إلى ترتيبات عملية، من خلال توزيع الأعباء وتقاسم المخاطر. ومع ذلك، لا تضمن هذه العوامل مجتمعةً نشوء نظام متماسك للأمن الجماعي؛ في ضوء تعثر التجارب السابقة، وتباين مصالح دول المنطقة وأولوياتها الأمنية، فضلًا عن محدودية الثقة واستمرار التنافس بين عدد من القوى الرئيسية في الإقليم.
