سياسة

    تحليل توقف العمليات القتالية الأمريكية الإيرانية مؤقتًا

    الإثنين 27 يوليو 2026
    تحليل توقف العمليات القتالية الأمريكية الإيرانية مؤقتًا

    تحليل توقف العمليات القتالية الأمريكية الإيرانية مؤقتًا

    عقب تجدد القتال بين الولايات المتحدة وإيران وتبادل الهجمات بين الطرفين، أوقفت الولايات المتحدة ضرباتها لثلاثة أيام بعد 13 ليلة متتالية من القصف الذي أعقب انهيار وقف نار استمر قرابة ثلاثة أشهر، كما أوقفت طهران ضرباتها هي الأخرى في إطار اتفاق ضمني، مع بقاء الحصار البحري الأمريكي، وإغلاق إيران لمضيق هرمز.

    قبل هذا التوقف للقتال بساعات، أعلن ترامب أنه يدرس "هجومًا هائلًا" على إيران أكبر من أي شيء سابق، وأنه قريب من اتخاذ القرار. ثم جرى اجتماع في البيت الأبيض ليلة الجمعة 24 يوليو، أثار فيه نائب الرئيس فانس ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين مخاوف من تضاؤل مخزون ذخائر الدفاع الجوي، وتحديدًا صواريخ الاعتراض اللازمة لحماية القواعد الأمريكية والشركاء الإقليميين. وبالتوازي، سافر وفد عُماني إلى طهران في ذات اليوم، وتزامن ذلك مع قرار ترامب وقف القصف، ونقلت CBS عن مصدرين إقليميين أن القصف أوقف عمدًا كي لا يعطل الدبلوماسية.

    وقد سبق هذا التوقف مستوى مرتفع من التصعيد، حيث قتلت إيران ثلاثة جنود أمريكيين، مع أنباء عن جرحى بالعشرات في الأردن، ما كان من المفترض أن يستلزم تصعيدًا من الطرف الأمريكي، خاصة مع التهديد برد العدوان على الأرواح عشرين ضعفًا. في هذا الإطار، كانت بوادر التصعيد المتوقعة تشمل ضرب منشآت نووية في جبل الفأس، وضربات تستهدف البنية التحتية والقيادات الإيرانية، مع إبقاء التصعيد في جزيرة خرج كورقة إضافية. وأناقش هنا أسباب هذا التوقف وتقدير مآلات الجولة الحالية، رغم تعقد الوضع الحالي وتحدياته.

    إطلالة على الجولة الحالية

    على عكس الجولة السابقة، اتسمت الاستراتيجية الأمريكية في الجولة الحالية بأنها إكراهية وليست حربًا محدودة، فضلًا عن أن تكون شاملة، والأهداف التي سعت الولايات المتحدة لإرغام إيران عليها هي إعادة فتح المضيق والعودة إلى طاولة التفاوض بسقف منخفض.

    وبما أن الاستراتيجية العسكرية تغيرت، فلا بد أن يتبع ذلك المنطق أو التصميم العملياتي. سعت الولايات المتحدة في الجولة الأولى من الحرب إلى إحداث صدمة عملياتية عبر التزامن والقوة وقطع الرأس للوصول إلى حالة الشلل الاستراتيجي. وبشكل عام، هدفت إلى تعطيل منطق المنظومة الإيرانية دفعة واحدة بالتفتيت، وقطع الروابط الأساسية للدولة، والحرب النفسية، ومحاولة تحريك الاحتجاجات الشعبية.

    في الجولة الحالية تحول منطق الفعل العسكري من التعاقبي إلى التراكمي، ومن عالي الكثافة إلى منخفض الكثافة، والعمل بمنطق النقاط والتفاوض تحت النار، والجمع بين التدهور العسكري والضغط الاقتصادي والقدرة على فرض الكلفة. هذا يعني استهداف القدرة الإيرانية البحرية والاقتصادية على خنق المضيق، والعزل اللوجستي لميناء بندر عباس وأماكن مختلفة في إيران عبر ضرب الجسور والأنفاق والسكك الحديدية، ولاحقًا، مع تحول الاستراتيجية القسرية إلى العقاب، استهداف البنية التحتية الإيرانية.

    بالمقابل، تركز إيران على الإنهاك وفرض الكلفة كاستراتيجية لكسر الإرادة السياسية الأمريكية، فالهدف هو إطالة الصراع بما يكفي لتغيير حساب التكلفة والعائد لدى الخصم. وهذا يعني استخدام المضيق كورقة الإرغام الأساسية، والاعتماد على صواريخ ومسيرات محلية الصنع ومنصات إطلاق لا مركزية، بجانب الاقتصاد الصارم في إطلاق الصواريخ الباليستية، والتركيز على الحرب الاقتصادية البحرية بوصفها المسرح الأكثر مناسبة لإيران.

    أهداف توقف الحروب

    ميز كلاوزفيتز بين التصور النظري للحرب وبين الحرب الحقيقية. ويقتضي المنطق النظري للحرب تواصل القتال حتى الوصول إلى الغاية السياسية أو الاندحار، لكن في الحقيقة نادرًا ما تُظهر الحرب مثل هذا الاتصال. في معظم النزاعات لا يشغل الفعل إلا جزءًا صغيرًا جدًا من الزمن. ويفسر هذا الأمر بالعديد من الأسباب، منها التردد والضعف الكامنان في النفس البشرية، والغموض، ونقص المعلومات، ولكن الأهم منها القيود التي تفرضها الحروب، والتي يُطلق عليها عسكريًا نقاط الذروة.

    تعني نقاط الذروة النقطة التي يفقد فيها القائد القدرة على الاستمرار في تحقيق أهدافه أو تحقيق مزيد من المكاسب، سواء بسبب استنزاف الموارد، أو فقدان المبادرة، أو تجاوز خط الإمداد، أو وصول العدو إلى نقطة قوة حاسمة. وقتها يبدأ الفعل العسكري بتوليد تأثير سلبي وليس إيجابيًا. وهناك نقاط ذروة عملياتية - عسكرية، وكذلك استراتيجية.

    على المستوى العملياتي الأعلى، وللتغلب على هذا الإشكال، نشأت في العقائد والمدارس الحديثة ما يسمى بالتوقف العملياتي، وهو توقف مؤقت في العمليات الهجومية أو الدفاعية يمليه منطق داخلي لوجستي لتفادي بلوغ نقطة الذروة. والغاية هنا تشمل إدارة الإيقاع العملياتي واستعادة الزخم عبر استئناف الهجوم، وذلك من خلال إعادة التزود والصيانة وإعادة التموضع وترميم الجاهزية. وقد يكون هذا التوقف معدًا مسبقًا أثناء مرحلة التخطيط، وهذا هو الأرجح، أو مرتجلًا بسبب مفاجآت الأحداث، وهذا كثيرًا ما يحدث في الواقع.

    في مقابل التوقف العملياتي، هناك نوع آخر معني بالمستوى الاستراتيجي للحرب، وهو التوقف الإكراهي، وهو أداة ضمن دبلوماسية العنف عند توماس شيلينغ، يكون فيها وقف النار المؤقت أداة إكراه ورسالة مفادها أن الألم توقف وسيعود بشكل مضاعف إذا لم يحصل اتفاق، وذلك مع إبقاء التهديد مسلطًا على رأس الخصم. وهنا يصبح استمرار الحشد المرئي جزءًا أساسيًا من العملية.

    قراءة في الوضع الحالي

    لفهم نوع ومنطق التوقف الحالي للقتال، نحتاج إلى الرجوع إلى تحليل مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS)، والذي نقلته CNN وأكدته عبر ثلاثة مطلعين على تقديرات المخزون الداخلية للبنتاغون بحلول أبريل، بأن الولايات المتحدة أطلقت ما لا يقل عن 45% من صواريخ باتريوت، وأكثر من 53% من صواريخ ثاد، ونحو 30% من صواريخ توماهوك، وفي التقدير الأقصى قد تكون استنفدت أكثر من 80% من مخزون صواريخ ثاد.

    في نفس الوقت، فإن معدلات التعويض بطيئة، إذ تتراوح بين 20 صاروخًا شهريًا وفق جداول التسليم للسنة المالية الجارية، بالإضافة إلى عدم جدولة أي تسليمات لصواريخ ثاد في عام 2026 إطلاقًا. وبشكل عام، أشارت التقديرات إلى أن إعادة البناء إلى مستويات ما قبل الحرب ستستغرق سنوات، مع آجال تصنيع تتراوح بين 34 و39 شهرًا. كما أن عقود التوسع التي طلب البنتاغون بموجبها 857 صاروخ ثاد و785 صاروخ توماهوك للسنة المالية 2027 لن تثمر في الوقت المناسب للنزاع الحالي، وتعيقها قيود خارجية.

    في الجولة الحالية، الأقل حدة وكثافة، بلغ إجمالي الإطلاق الإيراني حوالي 360 مقذوفًا حتى 24 يوليو. وإذا افترضنا أن نصفها مسيرات، وبتطبيق عقيدة الاشتباك الدفاعي 2-1 معترض لكل مقذوف باليستي، والتي تزيد في حالة استخدام صواريخ فتاح وخرمشهر المناورين، ومع تثبيت معدل الاشتباك الفعلي في حدود 70-90% من الإطلاقات، والباقي يُتجاهل للخطأ في التوجيه أو الإطلاق، يمكن تقدير إجمالي المستنفد من الصواريخ الاعتراضية الأمريكية في هذه الجولة في حدود 250 إلى 300 مقذوف اعتراضي. قد يبدو هذا الرقم ضئيلًا بالمقارنة مع الجولة السابقة، لكنه في الحقيقة مأزق خطير للغاية، بالنظر إلى أن البنتاغون يسحب من رف نصف فارغ. فمثلًا، إذا صح أن المتبقي من صواريخ ثاد نحو 70-170 مقذوفًا، فإن إنفاق 10-30 منها يعني التهام 10-25% من المتبقي في أقل من ثلاثة أسابيع، وذلك في وتيرة حرب منخفضة.

    عند النظر إلى هذه الأرقام في ضوء الالتزامات الأمريكية حول العالم، يظهر لنا جليًا حجم المأزق الأمريكي الحالي.

    صحيح أن إيران هي الأخرى مستنزفة بشدة على مساحة الاقتصاد وكذلك الصواريخ، لكن لها أفضلية بسبب التفاوت في خطورة الحرب على نظامها السياسي بالمقارنة مع الأمريكي، وكذلك بسبب التباين في شكل الاستنزاف. يمكن القول إن الذروتين متقاربتان زمنيًا، لكن الذروة الأمريكية الذخائرية قابلة للانفجار بشكل أسرع، وكذلك الذروة السياسية، وإن كانت بوتيرة أبطأ من الذخيرة. في المقابل، فإن الذروة الإيرانية اقتصادية تراكمية بطيئة، ما يمنحها أفضلية زمنية نسبية إذا صمدت داخليًا، وهو المرجح.

    ومن ثم، فإن التوقف الحالي هو في الأغلب مرتبط بالوضع العملياتي، وليس إجراءً ضمن الدبلوماسية القسرية، وذلك للشواهد المذكورة، فضلًا عن أن الدبلوماسية القسرية في مثل هكذا مواقف تتطلب موقف هيمنة ظاهرًا وألمًا متوقعًا مع مصداقية في القدرة على إنزاله، وكلا الأمرين غير متحققين. نعم، قد يسعى الأمريكي إلى توظيف هذا التوقف، بل وتغليفه، بهذا الشكل، لكن من المستبعد أن يكون هذا هو السبب الرئيسي.

    ورغم أن القدرة على تعويض الفقد ضئيلة للغاية وشبه مستحيلة خلال هذا العام، فضلًا عن هذه الجولة، فتوجد أسباب أخرى مختلفة قليلًا عن التوقف العملياتي المعني باستمرار الزخم وضبط الإيقاع، وترتبط بالعديد من الإجراءات الإسعافية، مثل إعادة التموضع ناحية إسرائيل، والبعد عن المديات الصاروخية الإيرانية أكثر، وتشتيت أكبر، والتحويل الجانبي من مسارح أخرى، بجانب محاولة الوصول إلى حلول عملياتية جديدة، بالإضافة إلى ترتيبات خاصة بالوضع الخليجي الذي استنزف بشدة هو الآخر. كما قد يكون توقفًا بغرض التنسيق وبناء الإجماع الداخلي والتمهيد لتصعيد بحدة أكبر، أكثر منه انعطافًا نحو تسوية أو تفاوض. وهناك مؤشرات على ذلك، منها اجتماع نتنياهو وترامب المقرر يوم 28 يوليو، وإرسال عشرات الصهاريج، وإعادة نشر مقاتلات F-35 من بريطانيا وF-15 من ألمانيا.

    لا يمكن فهم السياق العسكري بمعزل عن الوضع السياسي والاستراتيجي. لقد وقع الأمريكي في مأزق حقيقي يدركه الجميع الآن. في ظل هذا الوضع، لا توجد خيارات سياسية مريحة وخفيفة. وما دامت الشخصيات المتنفذة في السياسة الأمريكية والإسرائيلية على قدر كبير من الحدة والشخصانية وتجاهل الاستراتيجية، فإن المتوقع هو تعميق الأزمة، وليس التحرك العاقل والبارد لترميمها.

    0
    العلامات:
    تقديرات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *