سياسة

    سوريا تعود إلى لبنان مجددا: هل ترسم زيارة الشيباني ملامح المرحلة المقبلة؟

    أنس خضر
    أنس خضر
    السبت 4 يوليو 2026
    سوريا تعود إلى لبنان مجددا: هل ترسم زيارة الشيباني ملامح المرحلة المقبلة؟

    لطالما كانت العلاقة الإشكالية بين لبنان وسوريا محلَّ بحثٍ وتساؤلٍ دائمين، وقد وصف الكاتب اللبناني فواز طرابلسي، في كتابه "تاريخ لبنان الحديث"، هذه العلاقة بأنها: "علاقة نظامين متداخلين في المصالح والتهديدات".

    فمن البعد الجغرافي الذي تُشكِّل فيه بيروت الواجهة البحرية لدمشق، وتُعدُّ فيه حمص العمق الجغرافي لطرابلس، إلى البعد الأمني الذي يهدد فيه أيُّ تقدمٍ إسرائيلي، سواء في جنوب لبنان أو في سوريا، الجهةَ الأخرى من الحدود، إلى البعد الطائفي الذي تنعكس فيه علاقة الطوائف في لبنان على نظيراتها في سوريا. وبينما يتعذر إلغاء الحدود التي اصطنعها الانتداب الفرنسي ليفصل بين الديمغرافيا والجغرافيا الواحدتين، فإن هذه الاعتبارات وضعت الدولتين، منذ الفصل بينهما، أمام مسار مشترك دفع أحدهما إلى أن يطغى على الآخر من خلال تدخلات عسكرية ووصايات سياسية جائرة.

    لكن سقوط نظام الأسد ووصول الثوار إلى قصر الحكم في دمشق أعاد الجدل من جديد حول ماهية العلاقة بين سوريا ولبنان، بين قلقٍ من عودة نموذج الحديد والنار الذي كرَّسه حافظ الأسد في وصاية نظامه على لبنان، ومستبشرٍ بدورٍ إيجابي لسوريا الجديدة يسهم في صناعة الحلول للأزمات اللبنانية، على اختلافها، بدلًا من تعقيدها.

    وفي هذا السياق، جاءت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان، في 2 يوليو، معلنةً فتح صفحة جديدة من العلاقات بين الدولتين. فكان الشيباني موفدًا رئاسيًا أكثر من كونه وزير خارجية، وجال على معظم الأطراف اللبنانية المختلفة فيما بينها، تاركًا خلفه زوبعةً من ردات الفعل المتباينة إزاء عودة دمشق إلى بيروت.

    زيارة عون وسلام

    استهل الوزير الشيباني رحلته إلى لبنان بزيارة إلى القصر الجمهوري في بعبدا، حيث التقى رئيس الجمهورية جوزيف عون، بحضور نظيره اللبناني يوسف رجي، وسلَّم عون دعوةً من الرئيس أحمد الشرع لزيارة دمشق، بينما أكد عون تمسك لبنان بإقامة علاقات مع سوريا عنوانها "عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكلا البلدين".

    ومن بعبدا إلى القصر الحكومي في بيروت، التقى الشيباني رئيسَ الحكومة نواف سلام، ووقع معه اتفاقًا يقضي بإنشاء "اللجنة العليا السورية-اللبنانية"، التي ستعمل على تطوير الشراكات والتفاهمات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية والأمنية. لكن المهم في هذا اللقاء جاء في المؤتمر الصحفي الذي أعقبه، حيث عرَّض الشيباني بالاتفاق الإطاري الذي وقعته حكومة نواف سلام مع الاحتلال الإسرائيلي في واشنطن، في 26 يونيو 2026، ملمحًا إلى أنه هروب من الضغط ومشاهد الدمار في الجنوب اللبناني، وأنه لا ينهي الحرب ولا يحقق الاستقرار، داعيًا الحكومة اللبنانية إلى أن يصب أي نقاش أو مبادرة في مصلحة لبنان، لا مجرد مسكنات تنعكس سلبًا على المجتمع اللبناني.

    في المقابل، لم يستطع سلام إخفاء استيائه من الشيباني، فقد سارع إلى منعه من الإجابة عن سؤال صحفي حول إمكانية التدخل العسكري السوري في لبنان، وبادر إلى إنهاء المؤتمر الصحفي.

    زيارة بري وجنبلاط

    الزيارة اللافتة كانت زيارة الشيباني إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، حليف حزب الله، وعرَّاب الدور السياسي الشيعي في لبنان بعد مقتل أمين عام الحزب حسن نصر الله. فاللقاء كان ثنائيًا بين الشيباني وبري دون غيرهما، وظهر فيه بري متبسمًا، كما سلَّمه الشيباني دعوةً من الرئيس الشرع لزيارة دمشق.

    ومن جهته، أشار الشيباني إلى أن استقرار لبنان منوطٌ باستقرار سوريا، وهو يدرك أن بري سينقل الرسالة إلى حزب الله لخفض التصعيد على الحدود وتبديد المخاوف التي أثارتها تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب. وانسجامًا مع مواقف الرئيس الشرع الأخيرة، كرر الشيباني، أثناء مغادرته مقر بري في عين التينة، انفتاح سوريا على اللقاء مع حزب الله "إذا كان هناك من مصلحة تصب في صالح البلدين".

    ولم يستطع بري إخفاء ارتياحه عقب الزيارة، حيث صرح بذلك لصحيفة "المدن" اللبنانية، وأثنى على شخص الوزير الشيباني والمقاربة السورية للملف اللبناني، واعتبر أنه لا مناص للبنان من التنسيق مع سوريا، وإلا فلا خيار أمام اللبنانيين سوى السباحة في البحر.

    ثم انتقل الشيباني إلى منزل زعيم الدروز في لبنان وليد جنبلاط، في كليمنصو ببيروت، حيث صرح جنبلاط بأن "النظام السابق انتهى، وعلينا فتح صفحة جديدة من العلاقات السياسية والاستراتيجية". والمهم في زيارة الزعيم الدرزي هو إمكانية تأثيره في ملف السويداء في جنوب سوريا، وقدرته على منع الربط بين دروز لبنان وسوريا، الذي قد يسعى إليه الاحتلال الإسرائيلي بغية إقامة منطقة أمنية عازلة تمتد عبر الجنوبين اللبناني والسوري.

    زيارة جعجع والجميل

    على الجانب الآخر، حيث يقف خصوم بري وجنبلاط التاريخيون، وذاكرة الافتراق والاحتراب بين اليمين المسيحي وسوريا، انتقل الشيباني إلى زيارة حزبي الكتائب والقوات. ففي البيت المركزي للكتائب، التقى برئيس الحزب النائب سامي الجميل حيث ذكَّره الأخير بأن الكتائب قدمت "آلاف الشهداء في مواجهة نظام الأسد الذي حاول فرض وصايته على لبنان"، وعبَّر عن أمله في أن تؤسس هذه الزيارة "لمرحلة مختلفة في العلاقات بين البلدين وفق مبدئي الاستقلال السياسي والتكامل الاقتصادي"، في إشارة إلى رفض التدخل السوري في الشأن اللبناني.

    وتكرر هذا التأكيد في مقر حزب القوات اللبنانية، حيث أكد جعجع عقب لقائه بالوزير الشيباني أن "سوريا ولبنان دولتان بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، والأهم أن يُحترم ذلك". ومن خلال حسابه على منصة X قال جعجع إنه حمَّل الشيباني رسالةً للرئيس أحمد الشرع بأن "لبنان دولة حرة سيدة مستقلة، وعلى سوريا الاستمرار في التعامل مع لبنان على هذا الأساس".

    وهكذا بدت رسالة اليمين المسيحي واضحة، فبنظرهم تستطيع سوريا لعب دور ضاغط على حزب الله لنزع سلاحه ثم العودة إلى دمشق من جديد، أما استئناف الدور السوري في التأثير بالمشهد اللبناني فلا يمكن السماح به، وهذا ما حصل بالفعل حين استنجد حزب الكتائب بجيش حافظ الأسد ضد الأحزاب الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن تنقلب الكتائب والقوات على الأسد بعد الاطمئنان لتراجع خطر منظمة التحرير.

    زيارة طرابلس عاصمة الشمال

    اختتم الوزير الشيباني رحلته في عاصمة الشمال، طرابلس، التي قاومت جيش حافظ الأسد مرتين، وفجَّر نظام ابنه بشار مسجدي التقوى والسلام فيها لدورها في نصرة الثورة السورية، ما يمنح الزيارة بعدًا تضامنيًا ذا قيمة بالنسبة للطرابلسيين.

    إلا أن الشيباني، خلافًا لبعض التوقعات، قصر زيارته على المستوى الرسمي، حيث نزل في مقر دار الفتوى والتقى بمفتي الشمال الشيخ محمد إمام وجمعٍ من النواب والمسؤولين وبينهم كثيرون من حلفاء حزب الله الحاليين والسابقين. والمفارقة أن رموز العمل الإسلامي من الجماعة الإسلامية وهيئة علماء المسلمين استُثنوا من قائمة المدعوين، ما أثار موجة انتقاد شعبية خاصة لعدم دعوة رئيس هيئة علماء المسلمين السابق الشيخ سالم الرافعي، الذي كان له قصب السبق في نصرة الثورة السورية في تلك المرحلة.

    ولئن ساء هذا شريحة واسعة من الطرابلسيين، فإنه بعث برسالة ضمنية من الإدارة السورية بأنها ستقصر تعاملها الآن مع الجهات والهيئات الرسمية تجاه الساحة السنية في لبنان، وأن الفراغ السياسي والمرجعي الذي يعانيه السنة لا يمكن أن تملأه سوريا بخطوات تبدأ من الصفر.

    صفحة جديدة

    "كانت سوريا تعتبر لبنان ساحة من ساحات أمنها القومي، فيما كان لبنان يعيش بين تناقض استقلاله السياسي واعتماده الاقتصادي والأمني على جواره السوري." يلخص فواز طرابلسي التناقضات اللبنانية تجاه العلاقة مع سوريا، وقد عكست زيارة الوزير الشيباني هذه التناقضات بوضوح.

    فبينما يستصحب بري وجنبلاط تحالفهما الاستراتيجي مع سوريا منذ سبعينيات القرن الماضي، لم يستطع الجميل وجعجع إخفاء قلقهما تجاه عودة دور دمشق للتأثير في المشهد اللبناني، أما السنة فيدفعهم اليتم السياسي للتعلق بحبل دمشق الذي لاح لهم منذ سقوط نظام الأسد.

    ولم يزل ملف العلاقة مع حزب الله حاضرًا عند ذكر سوريا في لبنان، وأمام إغراءات الرئيس الأمريكي ترامب بالسماح للجيش السوري بدخول لبنان لقتال الحزب، يدرك الرئيس الشرع خطورة هذا الاستدراج، كما يدرك خطورة فتح معركة استنزاف بين الطرفين لا يستفيد منها إلا الاحتلال الإسرائيلي الذي يتوسع في الجنوبين اللبناني والسوري.

    ولعل انفراد الشيباني وبري في لقائهما يشير إلى سعي دمشق لإيجاد مخرج من هذا المسار، بما يعالج مخاوف سوريا الأمنية تجاه الحزب وفلول نظام بشار من جهة، ويمنع الانزلاق نحو حرب استنزاف لجيش لم يكتمل بناؤه بعد من جهة أخرى، وصولًا إلى استئناف الدور السوري المؤثر في بيروت والذي قد يكون حزب الله ببراغماتيته المعهودة أحد المساهمين فيه لا المعيقين له.

    أنس خضر

    أنس خضر

    باحث بالشأن اللبناني والإسلامي

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *