هناك عبارة شهيرة تقول إنّ الجغرافيا لا تتغيّر، ولكنّ السياسة هي التي تُعيد تشكيلها كل يوم، وهذا بالضبط ما جرى في الشام. فمنطقة بلاد الشام، وعلى مدى أكثر من ألف عام، عاش سكّانها ضمن وحدة جغرافية وسياسية واحدة. ومع انهيار الخلافة العثمانية، قُسّمت المنطقة إلى دويلات عدة، من بينها لبنان، الجائزة التي أُعطيت من قِبل فرنسا للموارنة.
لكن هذه الجائزة لم تكن محلَّ إجماع، إذ عارض المسلمون وبعض المسيحيين تفكيك منطقة الشام والانضواء تحت دولة جديدة باسم لبنان. وبعد مذكّرات واعتراضات ومؤتمرات، من أهمها مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة، تراجع الاعتراض المسلم السنّي عن المطالبة بالحفاظ على الوحدة الشامية، وخصوصًا في عام 1936 عندما أعلن الساسة السوريون ضمنيًا أن سوريا ولبنان دولتان منفصلتان عبر توقيع المعاهدة السورية الفرنسية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مستوى الحماس للوحدة لم يكن موجودًا عند السوريين كما كان عند السنّة في لبنان.
هذا التأسيس المبكر للكيان اللبناني لم يعالج الانقسام بقدر ما أعاد إنتاجه على مرّ السنين. فبعد مئة وستة أعوام على إعلان دولة لبنان الكبير، بقيت الأطراف السياسية اللبنانية متضادة، وهو ما يفسّر التوترات الدورية ذات الطابع الطائفي التي تشهدها البلاد بين الحين والآخر. وأبرز مثال على هذا التضاد هو الحرب الأهلية في الربع الأخير من القرن العشرين، والتي كان جزء كبير منها محرّكه الأساسي سوريا.
هذا التأسيس المبكر للكيان اللبناني لم يعالج الانقسام بقدر ما أعاد إنتاجه على مرّ السنين. فبعد مئة وستة أعوام على إعلان دولة لبنان الكبير، بقيت الأطراف السياسية اللبنانية متضادة، وهو ما يفسّر التوترات الدورية ذات الطابع الطائفي التي تشهدها البلاد بين الحين والآخر. وأبرز مثال على هذا التضاد هو الحرب الأهلية في الربع الأخير من القرن العشرين، والتي كان جزء كبير منها محرّكه الأساسي سوريا.
اعتبر حافظ الأسد لبنان امتدادًا طبيعيًا لسوريا ضمن رؤيته الجيوسياسية للمنطقة، كما اعتقد أنه يمثّل خاصرة رخوة يمكن أن تهدّد النظام السوري، فعمل على ضبط لبنان ضمن مدار هذا النفوذ. ولم يكن التدخل الخارجي المتكرر ممكنًا لولا انقسام اللبنانيين أنفسهم حول تعريف دولتهم: هل هي جزء من محيط إقليمي أوسع، أم بقعة متميزة ومنفصلة عن محيطها؟ وهنا نستحضر ما قاله الرئيس اللبناني جوزيف عون في كلمته أمام الأمم المتحدة، حيث عرّف نفسه بأنه الرئيس المسيحي الوحيد ضمن إقليم كبير ليس كذلك.
نقل مسرح العمليات
يُعدّ الحضور الشيعي في جبل عامل والبقاع قديمًا نسبيًا، وسابقًا على العهد العثماني، حيث بقي الشيعة خلال الفترة العثمانية خارج البنية السياسية للدولة، وظلت مناطقهم مهمّشة اقتصاديًا، وتحكمها عائلات إقطاعية مثل آل الأسعد وآل حمادة. ومع إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، وجد الشيعة أنفسهم جزءًا من دولة ذات ثقل ماروني وسنّي، ما أرسى لديهم شعورًا مبكرًا بالغبن.
هذا الانقسام التاريخي حول موقع لبنان من محيطه العربي هو ما تستثمره واشنطن اليوم في خطابها، حيث تحدّث الرئيس ترامب عن إحالة معالجة ملف حزب الله إلى سوريا. وسبق أن صرّح المبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك، بأن منطقة الشرق ليست دولًا، وإنما عشائر وقرى. وهذا التصريح، وإن بدا حينها عفويًا، فإنه يختصر جانبًا مهمًا من النظرة الأمريكية إلى المنطقة؛ نظرة لا ترى شرعية للكيانات الوطنية القائمة، وتعتبر أن من السهل إعادة توزيع الأدوار بين اللاعبين المحليين بما يحقق مصلحتها. وقد قوبل كلام الرئيس الأمريكي بتفسير من الرئيس السوري أحمد الشرع، بأن التدخل لا يعني تدخلًا عسكريًا، وإنما وساطة ودعمًا معنويًا لمؤسسات الدولة اللبنانية.
إن الطلب الأمريكي من سوريا سيغرقها في مستنقع الحرب، وينقل المعركة من كونها قتالًا بين إيران وحزب الله وإسرائيل، إلى قتال بين سوريا وحزب الله، ما يخفف العبء عن إسرائيل على حساب استقرار المنطقة بأكملها. ويُضاف إلى ذلك تحويل الصراع إلى صراع طائفي: سنّي–شيعي، وخصوصًا أن للسوريين جرحًا لم يندمل تجاه حزب الله وما فعله في سوريا. وإذا أخذت المعركة بُعدًا طائفيًا، فإن احتمالات توسعها قد تصل إلى العراق، وربما حتى إلى باكستان.
في المقابل، تتبنى إسرائيل رأيًا مغايرًا للرأي الأمريكي، بلغ حدّ التلميح بخيار الحرب على سوريا. فقد صرّح نتنياهو بأن إسرائيل لن تسمح بأن يحلّ جيش سوريا الجديد محلّ حزب الله على الحدود، وأنه لا يسعى إلى استبدال تهديد بآخر أكثر تطرفًا، حسب تعبيره. واعتبرت الدوائر الإسرائيلية أن فكرة دخول سوريا إلى لبنان بتشجيع تركي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، مع التلويح باستهداف القصر الرئاسي في دمشق. وهنا نرى حجم المفارقة بين الحماسة الأمريكية والريبة الإسرائيلية في تناول فكرة دخول سوريا إلى لبنان، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى واقعية الطرح الأمريكي من الأساس.
دمشق الجديدة وحسابات الداخل
بخلاف التصور الأمريكي، قد لا يُشكّل الدخول إلى لبنان مكسبًا يستحق المجازفة بالنسبة إلى الإدارة السورية، وذلك لعدة اعتبارات.
فعلى الصعيد السياسي، تنصبّ الجهود حاليًا على بناء مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الجغرافيا السورية، وبالتالي فإن أي انخراط خارجي قد يشكّل تشتيتًا للعمل الوطني الذي لم يكتمل بعد. وعلى الصعيد العسكري، لا يزال الجيش السوري في طور البناء والتدريب وتأسيس القدرات، مما يجعل فتح مواجهة خارجية مغامرة بكل معنى الكلمة. فالشجاعة، كما يقول الرئيس السوري، تكون عند اختيار توقيت المعركة، لا حين يُفرض التوقيت.
أما البعد الطائفي، الذي لا يمكن التغاضي عنه، فيمثّل هاجسًا لدى الإدارة السورية، فأي معركة داخل لبنان قد تأخذ بُعدًا طائفيًا سنّيًا-شيعيًا، وهو ما قد ينعكس على الداخل السوري. ويُضاف إلى هذه العوامل الواقع الجيوسياسي والديموغرافي للبقاع الشمالي اللبناني، فهو ذو تضاريس جغرافية وعرة في جزء منه، وذو أغلبية شيعية، مما يعطي أي معركة مقبلة في لبنان بُعدًا استنزافيًا يصعب حسمه عسكريًا.
ويبقى العامل الأهم هو إسرائيل؛ فمن لم تسمح له بتموضع قوات عسكرية رسمية في أرضه، أي في الجنوب السوري، لن تسمح له بالتأكيد بتمركز جيشه في الأراضي اللبنانية وعلى مقربة من حدودها الشمالية، وهو ما عبّرت عنه صراحة بلغة التهديد.
وفي ضوء هذه العوامل مجتمعة، قد يبدو أن ما تفكر فيه دمشق حاليًا هو صياغة تفاهم مع حزب الله بدلًا من الصدام معه، وهذا ما ألمح إليه وزير الخارجية السوري حين قال إنه لا مشكلة لديه في الجلوس مع الحزب على الطاولة إن كان هذا الأمر يخدم المصلحة السورية اللبنانية. فمن مصلحة دمشق أن تبقى المعركة قائمة بين إسرائيل وحزب الله لأطول فترة ممكنة، إذ يُبقي ذلك إسرائيل منشغلة بجبهة قائمة، ويؤجل المواجهة المحتملة بين إسرائيل وسوريا.
وعليه، فإن أي مسعى للتوصل إلى اتفاق بين سوريا وحزب الله قد يؤدي إلى معالجة المخاوف الأمنية السورية تجاه حزب الله من جهة، ويحقق في الوقت ذاته دورًا إيجابيًا في لبنان، كما أعلن الرئيس السوري.
البقاع باحة خلفية لدمشق
يُشكّل سكان البقاع الشيعة نسيجًا قتاليًا متماسكًا بحكم تكوينهم الاجتماعي العشائري. فالعائلات الشيعية الكبرى، وخصوصًا في بعلبك–الهرمل، تشكّل كيانات اجتماعية متلاحمة ومسلحة تجعلها تمثّل خطًا دفاعيًا طبيعيًا في المنطقة، يصعب على أي قوة غازية اختراقه دون تكلفة عالية. فالولاء العشائري يمنح المقاتل حافزًا مضاعفًا للقتال دفاعًا عن أرضه وأهله وعشيرته.
وإن الناظر إلى خريطة المنطقة يرى أن المسافة بين السلسلة الشرقية لجبال لبنان ومدينة دمشق قصيرة، لا تتجاوز 45 كم في بعض النقاط، مثل الزبداني. والسلسلة الشرقية لا تشكّل حدودًا فاصلة بقدر ما تشكّل امتدادًا جغرافيًا واحدًا للمنطقة، فالعاصمة السورية تصبح مكشوفة تمامًا من جهتها الغربية والشمالية الغربية إذا سقطت الجبال اللبنانية الشرقية.
ونستذكر هنا معركة السلطان يعقوب التي خاضها الجيش السوري في البقاع عام 1982 ضد الاحتلال الإسرائيلي. كما من المهم استحضار المعارك الشرسة التي خاضتها المعارضة السورية أمام حزب الله في المناطق المحاذية للبقاع اللبناني، والتي تشكّل تطويقًا طبيعيًا لدمشق، مثل القلمون والزبداني ويبرود.
وهذا الترابط الجغرافي تجلّى بوضوح في عملية الإنزال الإسرائيلية التي حصلت في جرود معربون في مارس/آذار 2026، حيث تسللت أربع مروحيات إسرائيلية من الاتجاه السوري نحو جرود البقاع، ووقع اشتباك مع مقاتلي حزب الله عند بلدة النبي شيت اللبنانية.
حينها ادّعت إسرائيل أن هدف الإنزال كان البحث عن رفات الطيار المفقود منذ عام 1986، رون أراد. وبصرف النظر عن صحة هذا الادعاء، فإن اختيار مسار التسلل تحديدًا عبر الأراضي السورية يؤكد أن إسرائيل تنظر إلى المنطقة بوصفها ممرًا عملياتيًا تستعمله متى تشاء. وأبرز اشتباك عناصر حزب الله مع القوة المتسللة أن وجوده في منطقة البقاع يعرقل أي تمدد إسرائيلي أعمق في الأراضي السورية.
حزب الله كخط دفاع أمامي
عندما نتحدث عن جبهات الصراع مع إسرائيل، نذكر عادة جبهة الجولان السوري والجنوب اللبناني، ونادرًا ما يتم الحديث عن جبهة البقاع، وهي الجبهة التي نشأ في ربوعها وتضاريسها حزب الله عام 1982، ما جعل منه لاعبًا أساسيًا على جزء من الحدود السورية اللبنانية. وهذا يفتح الباب أمام فرضية مفادها أن تفاهمًا أو تفاوضًا ضمنيًا بين الدولة السورية وحزب الله قد يحمل فائدة متبادلة للطرفين، رغم اختلاف موقع كل منهما وحساباته.
بالنسبة إلى الدولة السورية، يساهم مثل هذا الاتفاق، في المقام الأول، في بقاء حزب الله على قيد الحياة في معركته مع إسرائيل، ما يشغل الاحتلال عن معركته المستقبلية مع سوريا، ويُكسب دمشق وقتًا إضافيًا لتطوير قدراتها والإعداد للمواجهة. كما قد يشكل الاتفاق وسيلة لتأمين منطقة الحدود من التهديدات الأمنية، سواء الداخلية المتصلة باستقرار الداخل السوري بعد سنوات الحرب، أو الخارجية المرتبطة بأي اختراق معادٍ عبر الجرود الحدودية.
كذلك ستستفيد دمشق من وجود الحزب في البقاع بوصفه شبكة إنذار مبكر ميدانية، ولا سيما على مرتفعات السلسلة الشرقية لجبال لبنان، التي تقابل جبل الشيخ وتطل على ريف دمشق، تجاه أي تحرك مشبوه، إضافة إلى دور محتمل في الحد من مخاطر انزلاق الساحة اللبنانية إلى فوضى أهلية قد ينعكس أثرها على الحدود السورية.
أما بالنسبة إلى حزب الله، فهو في وضعه الحالي المنهك، بعد تعرضه لخسائر كبيرة ومتتالية، ولا مصلحة له في فتح جبهة موازية ضد الدولة السورية قد تستأصل ما تبقى من قدراته العسكرية. فضلًا عن أن خطوط الدعم اللوجستي عبر الأراضي السورية تبقى مرهونة، إلى حد بعيد، بعلاقة غير عدائية مع دمشق. وأخيرًا، فإن أي تفاهم رسمي أو شبه رسمي مع الدولة السورية، ولا سيما في ظل طبيعة السلطة الجديدة فيها، قد يسهم في التخفيف من حدة الاحتقان السني تجاه الحزب، حيث تقتضي المصلحة العامة حاليًا التركيز على اتفاق تكتيكي أكثر من استحضار الآلام والجروح التي تسبب بها دعم الحزب لنظام بشار الأسد.
الخيار الأفضل
تُنسب إلى هنري كيسنجر عبارة مفادها أن الجغرافيا السياسية ليست مجرد خيار سياسي، وإنما هي قدر جغرافي تُشتق منه المصالح وتتحدد على أساسه. وهذا ما يقدم مفتاحًا لفهم المعادلة السورية تجاه لبنان؛ فقِصر المسافة بين دمشق والبقاع يُحتّم على أي سلطة في دمشق أن تتعامل مع البقاع بوصفه ثغرة أمنية لا يمكن تجاهلها.
لكن يفترض أن يتم ذلك بما يخدم مصالح الجانبين، دون الانسياق وراء مسارات تدفع باتجاهها أطراف لها مصالحها الخاصة. وهنا تبرز محصلة تقاطع ثلاث مسارات: مسار أمريكي يسعى إلى إحالة عبء ملف حزب الله إلى سوريا، ومسار إسرائيلي يرفض أي حضور عسكري سوري رسمي في لبنان، ومسار داخلي سوري يُغلّب استكمال بناء الدولة والجيش على أي مغامرة سابقة لأوانها.
وعليه، فإن الجغرافيا، التي كانت على الدوام عاملًا حاكمًا في علاقة سوريا بلبنان، قد تدفع دمشق إلى البحث عن صيغة توازن تحفظ أمنها القومي، من دون الانخراط في حرب تستنزفها، أو الاندفاع إلى مواجهة تحقق مصالح أطراف أخرى أكثر مما تحقق مصالحها هي.
