سلاح حزب الله: هل اقتربت مرحلة المواجهة؟

    محمد فواز
    محمد فواز
    الثلاثاء 19 أغسطس 2025
    سلاح حزب الله: هل اقتربت مرحلة المواجهة؟

    وصل علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إلى بيروت في 13 آب/أغسطس 2025، لكن على غير عادة المسؤولين الإيرانيين الذين اعتادوا في زمن ذروة “محور المقاومة” أن يجولوا في لبنان برًا وجوًا بحرية كاملة وثقة مطلقة. فهذه المرّة، وجد لاريجاني، أحد أبرز المخضرمين في السياسة الإيرانية، نفسه أمام مشوار طويل ومعقّد للوصول إلى العاصمة اللبنانية.

    فبينما كانت الرحلات المباشرة من طهران إلى بيروت أمرًا عاديًا في السابق، لم تعد قائمة اليوم، كما أنّ المرور عبر الأجواء السورية بات محظورًا، ما اضطره إلى اتخاذ مسار طويل ومرهق للوصول. يضاف إلى ذلك أنّه، بخلاف ما يحدث في الماضي حين كان المسؤولون الإيرانيون يأتون ويغادرون وينجزون مهامهم دون الحاجة إلى مظاهر دعم، احتاج هذه المرة إلى استقبال جماهيري منظّم لإظهار أنّه لا يزال مرغوبًا به، خصوصًا بعد تسريبات سبقت الزيارة وأشارت إلى فتور في الرغبة باستقباله داخل بيروت.

    صحيح أنّ الإيرانيين توقعوا شيئًا من الفتور، لكن ليس إلى هذا المستوى من الصدّ العلني. فوزير الخارجية اللبناني، المنتمي إلى حزب “القوات اللبنانية”، لم ينسّق موعدًا مسبقًا مع لاريجاني بسبب مواقفه المتشددة ضد طهران، غير أنّ الصدمة جاءت من رئيس الجمهورية الذي قاطع لاريجاني مرارًا في حديثه عن سلاح حزب الله، في إشارة واضحة إلى أنّ هذا الملف شأن لبناني لا مجال لإيران أن تكون طرفًا فيه.

    أما الموقف الأكثر تشددًا فقد جاء من رئيس الحكومة نواف سلام، الذي وجّه خلال استقباله رسائل علنية إلى الوفد الإيراني، شدّد فيها على أنّ لبنان لن يقبل بأي شكل من الأشكال التدخل في شؤونه الداخلية، داعيًا طهران إلى التزام الوضوح في احترام هذه القاعدة. وأكد سلام أنّ تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين، مثل عباس عراقجي وعلي أكبر ولايتي، “مرفوضة شكلًا ومضمونًا” لأنها تمثّل خروجًا عن الأصول الدبلوماسية وانتهاكًا لمبدأ السيادة المتبادلة.

    في المقابل لم يرضخ لاريجاني، وكان له موقف واضح وصل إلى الإعلام: فبعد لقاءاته، وجّه رسالة مفادها أن إيران تحترم سيادة لبنان ولن تتدخل في شؤونه الداخلية، محمّلًا الولايات المتحدة مسؤولية فرض جدول نزع سلاح حزب الله. وقال: “أمريكا وحدها هي من أتت بهذه الخطة، ونحن نقول للبنانيين: أنتم أسياد قراركم”.

    هذا الموقف الإيراني سبقه وتبعه مواقف أعلى سقفًا من قيادة حزب الله، سواء من الأمين العام الشيخ نعيم قاسم أو من رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” البرلمانية، الذي اعتبر أن التخلي عن السلاح يعني الانتحار. وعلى الخط نفسه، رأى الشيخ نعيم أن “لبنان لن يكون له حياة” إذا مضت الحكومة في اتجاه نزع سلاح الحزب، معلنًا استعداد الحزب لـ “معركة كربلائية” إذا لزم الأمر.

    أما على الصعيد العملي، فقد أثارت حادثة وادي زبقين، التي سقط فيها ستة من جنود الجيش اللبناني أثناء تفكيكهم مخزن للسلاح تابع لحزب الله، كثيرًا من علامات الاستفهام. فقد جاءت مباشرة عقب قرارات الحكومة، واعتُبرت بمثابة رسالة مبطنة من حزب الله إلى الجيش.

    بالمقابل، وصل الموفدَان الأمريكيَّان توم برّاك ومورغان أورتاغوس في 18 أغسطس إلى بيروت للتشديد على الموقف الأمريكي، في مشهد يتزامن مع خطوات مماثلة في العراق لإنهاء وجود السلاح خارج الأطر الرسمية.

    الواضح أن المشهد في لبنان اليوم يتمحور حول سعي أمريكي ورسمي لبناني لنزع سلاح حزب الله، يقابله رفض تام من الحزب لأي خطوة في هذا الاتجاه. وفي حين أن رئيس الجمهورية لم يقطع تواصله مع حزب الله يومًا، إلا أن الضغط الدولي كان أكبر، كما أن موقف رئيس الحكومة جاء أكثر حدّة.

    وبذلك، تفرّقت المواقف في الداخل اللبناني، فيما تتساقط واحدة تلو الأخرى كل الحلول الوسطية. لكن في المقابل، يبدو أن حزب الله والدولة اللبنانية ضمنًا يرفضان الصدام المباشر. أحد أبرز المؤشرات هو استمرار مشاركة الحزب في الحكومة. ومع ذلك، تبقى الكرة في الملعب: البحث عن المخارج لا يزال قائمًا، لكن النوافذ تضيق تدريجيًّا.

    محمد فواز

    محمد فواز

    باحث في العلاقات الدولية

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *