قراءة في ضوء "نرجسية الفروق الصغيرة"
في كتابه "قلق في الحضارة" الصادر عام 1930 ناقش سيغموند فرويد مجدداً مفهوماً سبق أن صاغه قبل ذلك، هو "نرجسية الفروق الصغيرة" (narcissism of minor differences). وهو ظاهرة نفسية واجتماعية تشير إلى أن الجماعات المتشابهة إلى حد كبير قد تبالغ في إبراز الاختلافات المحدودة بينها، وتحولها إلى مصدر للتنافس والعداء، كأن هذه الفروق الصغيرة تؤكد تميز كل جماعة عن الأخرى.
شرح فرويد كيف يمكن للمجتمعات المتقاربة أن تحافظ على تماسكها الداخلي عبر توجيه العداء نحو جماعات قريبة منها، تختلف عنها في تفاصيل محدودة. فالتشابه الكبير، كما يشير، لا يمنع العداء، وربما يجعل الفروق الصغيرة أكثر أهمية في تحديد الهوية ورسم الحدود بين الجماعات.
يقول فرويد:
«من الممكن دائماً توحيد عدد كبير من الناس بروابط المحبة، ما دام هناك آخرون يُتركون لتوجيه مظاهر عدوانهم إليهم. وقد تناولت ذات مرة ظاهرة تتمثل في أن الجماعات المتجاورة جغرافياً، والمتقاربة فيما بينها من نواح أخرى أيضاً، هي تحديداً تلك التي تخوض نزاعات مستمرة وتسخر إحداها من الأخرى، مثل الإسبان والبرتغاليين، والألمان الشماليين والألمان الجنوبيين، والإنجليز والأسكتلنديين، وغيرهم. وقد أطلقت على هذه الظاهرة اسم "نرجسية الفروق الصغيرة"، وهو اسم لا يفسرها كثيراً. ويمكننا الآن أن نرى فيها إشباعاً ملائماً، وغير مؤذ نسبياً، للنزعة العدوانية، بما يسهل تماسك أفراد الجماعة بعضهم مع بعض».
قد يساعدنا هذا المفهوم الفرويدي في تبين جذور الصراع الروسي مع أوروبا وتطوراته، حيث تدخل العلاقات الروسية الأوروبية مرحلة خطرة مع تسارع التطورات العسكرية والسياسية، وتآكل المساحة المتاحة لاحتواء الصراع أو تسويته. فالمفارقة في العلاقة بين الطرفين أن قدراً كبيراً من العداء المتبادل يتغذى أحياناً من شدة التقارب، وهنا تصبح الاختلافات المحدودة علامات فارقة للهوية، وتصاغ كذرائع للتنافس والعداء.
لا تقف الأمور عند هذا الحد النفسي والهوياتي؛ إذ سرعان ما تتجاوز الاختلافات حدودها لتدخل في تفاعلات الجغرافيا السياسية، وصراعات القوة والنفوذ، وتضارب المصالح الأمنية والاستراتيجية. وفي خضم هذا التدافع تتراكم الشكوك، وتتصلب المواقف، وتتراجع مساحات الثقة والتسوية، ويبدو مسار الحرب، في نظر الأطراف أو بعضها، هو المآل الذي تقود إليه تطورات العلاقة، أو الأداة الحاسمة لإنهاء حالة الترقب وعدم اليقين، وفرض وقائع جديدة على الخصم.
في مقالته الشهيرة بعنوان "صدام الحضارات" المنشورة عام 1993 في مجلة فورين أفيرز، والتي طور أفكارها لاحقاً في كتابه المثير للجدل "صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي" بدا أن صموئيل هنتنغتون أراد أن يمارس "نرجسية الفروق الصغيرة". فمال إلى تحديد جوهر الحضارة الغربية عبر محددات أهمها التراث الكلاسيكي، من الفلسفة اليونانية والعقلانية والقانون الروماني، واللغة اللاتينية، والمسيحية بشقيها الكاثوليكي والبروتستانتي.
وأراد أن يؤكد أن حدود هذه الحضارة الغربية تاريخية وثقافية، وليست حداً جغرافياً ثابتاً، فوضع في نصه فصلاً كاملاً بعنوان "تحديد حدود الغرب"، حاول فيه الإجابة عن سؤال: ما هي أوروبا؟ وأين حدودها الشرقية طالما أن حدودها الشمالية والغربية والجنوبية تكاد تكون غير قابلة للجدل؟ وأين تنتهي أوروبا؟ ومن الذي يمكن اعتباره أوروبياً، وبالتالي عضواً محتملاً في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والمنظمات المشابهة؟
وقد أجاب هنتنغتون عن هذه الأسئلة وغيرها في الفصل المذكور، وطوع إجابته وفق الخط التاريخي الذي ظل لعدة قرون يفصل بين الشعوب الغربية المسيحية والشعوب الإسلامية والأرثوذكسية. ويعود تاريخ هذا الخط، أو الحد الشرقي للمسيحية الغربية إلى انقسام الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي، وإلى قيام الإمبراطورية الرومانية المقدسة في القرن العاشر الميلادي، وقد ظل في مكانه نحو خمسمائة عام على الأقل. وهو خط يبدأ في الشمال، ويمتد على طول ما يُعرف الآن بالحدود بين فنلندا وروسيا، وبين دول البلطيق وروسيا، ثم عبر غرب بيلا روسيا وأوكرانيا، فاصلاً غربها التابع للكنيسة الشرقية عن شرقها الأرثوذكسي، ثم عبر رومانيا بين ترانسيلفانيا، بسكانها المجريين الكاثوليك، وبقية البلاد، وعبر يوغوسلافيا السابقة على امتداد الحد الذي يفصل سلوفينيا وكرواتيا عن الجمهوريات الأخرى.
وفي البلقان يتوافق هذا الخط، مع التقسيم التاريخي بين الإمبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية العثمانية. وهذا الخط هو الحد الثقافي لأوروبا، وقد كان في عالم ما بعد الحرب الباردة هو الحد السياسي والاقتصادي لأوروبا والغرب.
ونقل هنتنغتون كلاماً يردده الغربيون همساً، وتكرسه نخب ثقافية وسياسية واجتماعية أوروبية، مفاده أن أوروبا تنتهي حيث تنتهي المسيحية الغربية وتبدأ الأرثوذكسية والإسلام. ولا يقف الأمر عند حدود التصنيف الحضاري والثقافي، فقد امتد إلى مؤسسات القوة والنفوذ مثل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
وفق هذا التصور، تُعد روسيا جزءاً من مركز حضاري متميز عن الغرب، على الرغم من اعتناقها المسيحية، والجغرافيا القريبة، والتاريخ المتداخل، والثقافة الروسية التي تشكلت في جزء كبير منها كمرآة لأوروبا.
نظر الأوروبيون إلى روسيا باعتبارها منطقة طرفية نائية، تختلف عن بقية أوروبا في أنماط الحياة والتقاليد، وهو ما جعلها موضع نفور وإعجاب في آن واحد. فقد منحها اتساع أراضيها موقعاً فريداً في القارة، لكنه أثار في الوقت نفسه مخاوف الأوروبيين من طموحاتها التوسعية وإمكاناتها السكانية الهائلة. ورغم إدراكهم أن روسيا تمتلك موارد ضخمة تؤهلها لتصبح جزءاً رئيسياً من الاقتصاد الأوروبي، فإن نظامها الاقتصادي المتقادم، وما ارتبط به من فساد، حال دون اندماجها في المنظومة الاقتصادية الأوروبية. وعلى الصعيد العسكري، شكلت القوة الروسية مصدر قلق دائم للدول الأوروبية، رغم أنها أدت تاريخياً دوراً في حمايتها من تهديدات خارجية، من خلال التصدي لها واستيعاب جانب من أخطارها.
في المقابل، ينظر الروس إلى بلادهم باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من أوروبا بحكم الجغرافيا، إذ تشغل روسيا نحو نصف مساحة القارة الأوروبية، بينما يقع نحو نصف أراضيها ضمن حدود أوروبا. غير أن هذا التداخل الجغرافي لا يعني بالضرورة انتماءً سياسياً أو ثقافياً، وفقاً للمنظر الروسي فلاديمير بارانوفسكي. فعلى امتداد الألف عام الماضية، ظل الجدل بشأن علاقة روسيا بأوروبا حاضراً في الفكر الروسي، حتى أصبح جزءاً من تاريخ البلاد وسعيها المتواصل لتحديد هويتها.
وقد استندت الاتجاهات المختلفة في هذا الجدل إلى اعتبارات تاريخية، ومعتقدات دينية، وقيم معيارية، وخصائص نفسية، وأنماط سلوكية، وتوجهات ثقافية، سعى أصحابها من خلالها إلى إثبات انتماء روسيا إلى أوروبا أو نفيه عنها. ومع ذلك، لم يتمكن أي من هذه الاتجاهات من فرض رؤيته على مسار التطور الفكري الروسي، لتظل مسألة الهوية الأوروبية لروسيا موضع نقاش وجدل.
وفي سياق هذا الجدل، تباينت التصورات بشأن موقع روسيا من أوروبا، إذ نظر إليها البعض باعتبارها نموذجاً أوروبياً غير مكتمل، يعاني التخلف والتأخر عن مسار التطور الأوروبي، بينما رأى آخرون أنها تمثل نموذجاً أوروبياً متميزاً تجسدت فيه القيم الأوروبية بصورة خاصة. في المقابل، اعتبر اتجاه ثالث أن روسيا سلكت مساراً شرقياً في تطورها، متأثرة بالإرث البيزنطي الذي أسهم في تشكيل هويتها الإمبراطورية. ورغم اختلاف هذه التصورات، ظل الخلاف قائماً حول مدى انتماء روسيا إلى أوروبا، ومن يملك الحق في تعريف الهوية الأوروبية وتحديد حدودها الجغرافية والحضارية.
وبرز هذا التوجه خلال عهد بطرس الأكبر، الذي أطلق مشروعاً لتحديث الدولة الروسية، شمل إعادة تنظيم الجيش والإدارة وتعزيز القوة الإمبراطورية، مستلهماً النماذج الأوروبية. وفي إطار هذا المشروع، أسس مدينة سان بطرسبرغ عام 1703 لتكون نافذة روسيا على الغرب، وشجع النبلاء على تبني الأزياء والعادات الأوروبية، حتى أصبحت الفرنسية لغة شائعة في أوساط الطبقة الأرستقراطية الروسية، وأتقنها بعض أفرادها أكثر من لغتهم الأم.
لكن هذا التوجه نحو التغريب لم يصاحبه شعور بالتكافؤ مع الأوروبيين، وعزز لدى بعض النخب الروسية الإحساس بالدونية تجاه الغرب. فقد رصد الرحالة الروس نظرة الاستعلاء التي عاملهم بها الأوروبيون، بينما انتقد بعض المفكرين الروس محاكاة بلادهم للمظاهر الغربية دون استيعاب أسسها الفكرية والثقافية، وشبهوا سلوك الروس تجاه الأوروبيين بسلوك سكان الأقاليم الذين يسعون إلى تقليد سكان العاصمة.
في المقابل، رأى اتجاه آخر أنه مع الانشقاق الكنسي الكبير عام 1054 م، والذي أدى إلى انفصال الكنيسة الكاثوليكية في الغرب عن الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، فضلاً عن خضوع الأراضي الروسية لهيمنة القبيلة الذهبية المغولية لأكثر من قرنين، ابتعدت روسيا عن أوروبا ابتعاداً لا رجعة فيه، وأعادت توجيه بوصلتها نحو الشرق.
وتبلور هذا الاتجاه خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر مع ظهور تيار "السلافوفيليين"، الذي عارض تقليد النماذج الأوروبية، في ظل تنامي النزعة القومية الروسية عقب الغزو الفرنسي لروسيا عام 1812. وقد دعا أنصار هذا التيار إلى الحفاظ على الخصوصية الحضارية الروسية، مستندين إلى الأرثوذكسية والتقاليد الريفية وقيم التضامن الجماعي، واعتبروا أن المجتمع الروسي يمتلك مقومات أخلاقية وروحية تميزه عن المجتمعات الأوروبية الغربية، التي انتقدوا نزعتها المادية والفردية.
ويرى فريق ثالث أن روسيا لا تنتمي إلى الغرب أو الشرق، ولا يمكن تصنيفها باعتبارها جزءاً من أوروبا أو آسيا، وأنها تمثل كياناً حضارياً مستقلاً، تشكلت هويته التاريخية حول المسيحية الأرثوذكسية، التي ميزتها عن أوروبا الكاثوليكية من جهة، والعالم الإسلامي من جهة أخرى.
ووفقاً لهذا التصور، تستند الهوية الروسية إلى تاريخ مشترك يجمع أكثر من مئة شعب وجماعة إثنية داخل كيان متعدد القوميات. ومن ثم، ينظر أنصار هذا الاتجاه إلى روسيا باعتبارها حضارة قائمة بذاتها، تمتلك خصوصيتها الثقافية ومسارها التاريخي وقيمها الناظمة، ولا يمكن تقييم تجربتها وفق المعايير المستمدة من حضارات أخرى.
وتجلى هذا التصور خلال حرب القرم (1853–1856)، حين سعى القيصر نيقولا الأول إلى توسيع النفوذ الروسي في أراضي الدولة العثمانية، مستنداً إلى دور روسيا بوصفها حامية للمسيحيين الأرثوذكس الخاضعين للحكم العثماني، إلى جانب تطلعاتها لتعزيز نفوذها في منطقة المضائق التي تربط البحر الأسود بالبحر المتوسط. وقد شكل الخلاف بشأن حقوق حماية الطوائف المسيحية والإشراف على الأماكن المقدسة في فلسطين أحد أسباب اندلاع الأزمة، كما جاء في سياق التنافس على النفوذ بين روسيا والقوى الأوروبية والدولة العثمانية، التي خشيت من تنامي القوة الروسية واختلال موازين القوى الإقليمية لصالحها.
وفي ضوء هذا التفسير لهوية روسيا ومكانتها الحضارية، يمكن فهم ما ذهب إليه جوردان غلين في تقريره الصادر عن معهد دراسات الحرب، إذ اعتبر أن التحركات الروسية الأخيرة تجاه أوروبا تندرج ضمن استراتيجية صراعية، تستهدف ترسيخ مكانة روسيا بوصفها قوة عظمى، واستعادة نفوذها المهيمن في دول الاتحاد السوفيتي السابق، والعمل على إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب يتراجع فيه النفوذ الأمريكي، ويضعف فيه حلف "الناتو" أو يفقد فاعليته، بما يتيح لموسكو ممارسة نفوذ حاسم في محيطها الإقليمي وعلى المستوى الدولي.
ورغم تعدد هذه الأهداف واختلاف الوسائل المستخدمة لتحقيقها، فإنها تلتقي عند غاية استراتيجية تتمثل في استعادة المكانة الإمبراطورية لروسيا، بدلاً من الاكتفاء بدور قوة كبرى تعمل ضمن موازين النظام الدولي القائم.
