ماذا يمكن أن يجمع دولة عربية ترتبط بعلاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة، ودولة عضو في حلف الناتو، وقوة نووية ظل أمنها لعقود محكومًا بصراعها مع الهند؟ الإجابة جاءت من مكة، حيث قررت السعودية وتركيا وباكستان توقيع اتفاقية للدفاع المشترك تعتبر أي هجوم على دولة منها هجومًا على الدول الثلاث جميعًا.
وتُطوّر الاتفاقية اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته الرياض وإسلام آباد في سبتمبر/أيلول 2025، بتوسيع نطاقه ليشمل تركيا. وبذلك، يجمع الترتيب الجديد بين الثقل المالي والسياسي للسعودية، والقدرات العسكرية والصناعية لتركيا، والقوة العسكرية والنووية لباكستان، في لحظة تشهد فيها المنطقة حروبًا متلاحقة، وشكوكًا متزايدة بشأن حدود المظلة الأمنية الأمريكية.
ولذلك، سرعان ما استدعى الإعلان عن الاتفاق مقارنات بحلف الناتو، وحديثًا عن ولادة "ناتو إسلامي". ولكن هذه المقارنة، على جاذبيتها، تبدو متفائلة أكثر مما يسمح به الواقع.
من التعاون الثنائي إلى اتفاق مكة
منذ تأسيس باكستان، أقامت إسلام آباد والرياض علاقة وثيقة قامت على تبادل المصالح، إذ قدمت باكستان القدرات العسكرية، فيما وفرت السعودية الدعم المالي والطاقة، ضمن معادلة يمكن اختصارها بالأمن مقابل الاقتصاد. وفي هذا السياق، أرسلت إسلام آباد طيارين لدعم السعودية في حربها مع اليمن عام 1969، كما تعاون جهازا استخبارات البلدين في مواجهة الغزو السوفيتي لأفغانستان.
أما الضلع التركي-الباكستاني، فشهد بدوره تناميًا ملحوظًا في التعاون العسكري والدفاعي، بلغ مستوى متقدمًا خلال زيارة الرئيس أردوغان إلى إسلام آباد في فبراير/شباط 2025، والتي شهدت توقيع 24 اتفاقية، بالتوازي مع تدريبات عسكرية مشتركة ومشروعات لإنتاج الطائرات المسيّرة والسفن الحربية، شملت نقل التكنولوجيا وبناء فرقاطات باكستانية باستخدام أنظمة تركية. وأسهم ذلك في ترسيخ مكانة أنقرة كأحد موردي السلاح الرئيسيين لباكستان.
وارتبط الانتقال من صيغة التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف إلى اتفاق للدفاع المشترك بالتطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة. فقد دفعت المواجهة الهندية-الباكستانية في مايو/أيار 2025، ثم حرب الاثني عشر يومًا بين إسرائيل وإيران، وما أعقبها من حرب أكبر في عام 2026، الدول الثلاث إلى إعادة تقييم الترتيبات الأمنية القائمة وقدرتها على حماية مصالحها في حال اتساع نطاق الصراع، وبالأخص في ظل الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل، وإخفاق الجيش الأمريكي في حماية دول الخليج أو فتح مضيق هرمز، وتقلب مواقف الرئيس ترامب.
ولا يعني ذلك تخلي الرياض عن المظلة الأمنية الأمريكية، بما توفره من قدرات استخباراتية وفضائية، ومنظومات للقيادة والسيطرة والدفاع الصاروخي بعيد المدى، بقدر ما يبرز سعيها إلى بناء ترتيبات مكملة تقلل اعتمادها على ضامن أمني واحد. ويتوافق ذلك، من زاوية أخرى، مع توجه واشنطن نحو تقاسم الأعباء، وتشجيع حلفائها وشركائها على تحمل جانب أكبر من مسؤولية أمنهم، بما يشمل دورًا أكبر لتركيا في أمن المنطقة، وحضورًا أكبر لباكستان في الشرق الأوسط وأفغانستان وآسيا الوسطى.
وفي هذه المعادلة، تقدم باكستان للسعودية قوة عسكرية كبيرة، يضاف إليها ما توفره مكانتها كدولة نووية من ثقل ردعي، فيما دعمت الرياض الاقتصاد الباكستاني مرارًا عبر القروض والاستثمارات وتسهيلات استيراد النفط. أما تركيا، فتقدم عنصرًا مختلفًا يتمثل في صناعة دفاعية متنامية يمكن أن تساعد المملكة على تحقيق هدفها بتوطين أكثر من نصف إنفاقها العسكري بحلول عام 2030. ولهذا يمكن النظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها محاولة سعودية لبناء شبكة من الشركاء القادرين على تقديم أنواع مختلفة من الدعم.
مصالح تركيا وصعود باكستان
ترى أنقرة في الاتفاق فرصة لاستثمار التطور الذي حققته في الصناعات الدفاعية والانتشار العسكري، وقد هيأت المصالحة السعودية-التركية الأرضية لهذه الخطوة. فمنذ عام 2021 تقاربت مواقف الدولتين في عدد من الملفات، من بينها سوريا والسودان والصومال، بالتوازي مع تنامي التعاون الدفاعي. كما تسعى أنقرة إلى الاستفادة من السوق الخليجية في مجالات الطائرات المسيّرة والمركبات المدرعة والمنصات البحرية، إلى جانب الإنتاج المشترك والتجميع ونقل التكنولوجيا داخل السعودية، بما يعزز موقع تركيا كمورد وشريك في بناء القدرات الدفاعية للمملكة.
ويتجاوز الدافع التركي المكاسب الاقتصادية إلى اعتبارات جيوسياسية. فقد بنت أنقرة شبكة من الحضور العسكري تمتد من سوريا وشمال العراق إلى قطر والصومال وليبيا، فيما يربط انضمامها إلى اتفاق للدفاع المشترك مع السعودية وباكستان هذا الانتشار بمجال جغرافي، يمتد من شرق المتوسط عبر الخليج والبحر الأحمر وصولًا إلى المحيط الهندي، بما يعزز حضورها الإقليمي ومجال حركتها الاستراتيجية.
وتكتسب هذه الشراكة أهمية إضافية مع تنامي التنافس التركي-الإسرائيلي، وتصاعد الخطاب الإسرائيلي الذي ينظر إلى تركيا باعتبارها منافسًا إقليميًا، بالتوازي مع اتساع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة. وفي هذا السياق، تمنح الشراكة مع السعودية وباكستان أنقرة عمقًا إضافيًا، وتعزز قدرتها على موازنة النفوذ الإسرائيلي وممارسة قدر أكبر من الضغط عليه.
أما باكستان، فيمثل الاتفاق بالنسبة إليها جزءًا من تطور يتجاوز علاقاتها التاريخية بالسعودية. فقد ظلت سياستها الخارجية لسنوات طويلة محكومة بثلاثة ملفات رئيسية: الهند وأفغانستان والصين. وحتى أواخر عام 2024، كانت العلاقات الأمريكية-الباكستانية تمر بمرحلة صعبة، إذ فرضت واشنطن عقوبات على شركات باكستانية بسبب برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وذهب نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي جون فاينر إلى وصف باكستان بأنها تهديد ناشئ للولايات المتحدة. وجاء ذلك امتدادًا لأزمة الثقة التي تفاقمت بعد انتهاء الحرب الأمريكية في أفغانستان، وتراجع حاجة واشنطن إلى الدور الذي أدته إسلام آباد خلال حقبة "الحرب على الإرهاب".
وقد فتحت عودة ترامب إلى البيت الأبيض نافذة لإعادة بناء العلاقة، وحرصت القيادة الباكستانية على استغلالها. ففي مارس/آذار 2025، ألقت السلطات الباكستانية القبض على محمد شريف الله، المتهم من طرف واشنطن بالمشاركة في تفجير مطار كابول في أغسطس/آب 2021، الذي أسفر عن مقتل 13 عسكريًا أمريكيًا وأكثر من 160 مدنيًا، وسلمته إلى الولايات المتحدة، ليشكر ترامب باكستان علنًا على تعاونها.
ثم جاءت المواجهة الهندية-الباكستانية في مايو/أيار 2025 لتمنح إسلام آباد فرصة إضافية لتعزيز علاقتها بالإدارة الأمريكية. فقد أشادت باكستان بدور ترامب في التوصل إلى وقف إطلاق النار، ثم رشحته لجائزة نوبل للسلام، في الوقت الذي رفضت فيه الهند الرواية الأمريكية بشأن دور واشنطن في الوساطة. وتُوج هذا التقارب باستقبال قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في البيت الأبيض، في زيارة كانت الأولى لقائد للجيش الباكستاني يدخل البيت الأبيض دون أن يرافقه مسؤول حكومي مدني.
ولم تكتف إسلام آباد بالتقارب السياسي مع واشنطن، إذ سعت إلى بناء مصالح اقتصادية مع الإدارة الأمريكية الجديدة، ولا سيما في قطاع المعادن الحيوية، بالتوازي مع اهتمام شركات أمريكية بقطاعات التكنولوجيا والطاقة والمعادن والدفاع في باكستان. ومع ذلك تظل الشكوك المتبادلة قائمة، ما يجعل التقارب الحالي أقرب إلى علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، لكنه منح إسلام آباد فرصة لأداء دور يتجاوز جنوب آسيا، والظهور وسيطًا ولاعبًا أمنيًا في عدد من ملفات الشرق الأوسط.
الوسيط الباكستاني
تستمد باكستان قدرتها على أداء دور الوسيط من شبكة علاقات تبدو متعارضة في بعض جوانبها؛ فهي حليف دفاعي للسعودية، وشريك وثيق لتركيا، وترتبط بعلاقة استراتيجية مع الصين، وفي الوقت نفسه تجاور إيران وتحتفظ مؤسساتها الأمنية بقنوات مفتوحة مع طهران. كما تملك مصلحة في استقرار إيران، بحكم الحدود المشتركة، والاضطرابات في إقليم بلوشستان، فضلًا عن وجود مكون شيعي وازن داخل المجتمع الباكستاني.
وعندما احتاجت واشنطن إلى قناة يمكنها التواصل عبرها مع طهران، استثمرت حكومة شهباز شريف والمؤسسة العسكرية الباكستانية التقارب مع ترامب وعلاقاتهما بإيران لتقديم إسلام آباد وسيطًا بين الطرفين، حتى إن ترامب لخص أحد أسباب ملاءمتها لهذا الدور بقوله إن "باكستان تعرف إيران جيدًا".
واكتسب الدور الباكستاني غطاءً إقليميًا مع عقد وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر وباكستان عدة اجتماعات في الرياض وإسلام آباد وأنطاليا خلال مارس/آذار وأبريل/نيسان 2026، أعلنوا خلالها دعم جهود الوساطة الباكستانية بين الولايات المتحدة وإيران. وبذلك، أصبحت إسلام آباد قناة اتصال بين طهران وواشنطن من جهة، ومجموعة من القوى الإقليمية الرئيسية من جهة أخرى.
كما كانت باكستان واحدة من ثماني دول ذات أغلبية مسلمة عرضت المساهمة في قوة الاستقرار الدولية المقترحة لقطاع غزة، في محاولة الحصول على دور في ترتيبات الأمن الإقليمي بعد الحرب.
وفي القرن الأفريقي، اتخذ الحضور الباكستاني طابعًا عسكريًا. ففي 4 أغسطس/آب 2026، وقعت إسلام آباد ومقديشو مذكرة تفاهم دفاعية تشمل مكافحة الإرهاب والتدريب وتبادل الخبرات وبناء قدرات القوات الصومالية، بالتزامن مع حديث عن صفقة محتملة بقيمة تقارب 900 مليون دولار لتزويد الصومال بـ24 مقاتلة من طراز JF-17 Block III.
ويرتبط الحضور الباكستاني في الصومال بحسابات السعودية وتركيا، إذ يضع إسلام آباد على مقربة من باب المندب والبحر الأحمر وطرق التجارة الممتدة بين المحيط الهندي وقناة السويس، وفي منطقة تتمتع فيها تركيا بحضور عسكري وسياسي مهم، بينما يمثل أمن الملاحة فيها مصلحة حيوية للسعودية. ومن ثم، يضيف التمدد الباكستاني في القرن الأفريقي بعدًا جغرافيًا للتقارب الثلاثي، يمتد من جنوب آسيا والخليج إلى البحر الأحمر وباب المندب.
هل حصلت السعودية وتركيا على مظلة نووية؟
من بين عناصر القوة التي تجمعها اتفاقية مكة، تعد القدرة النووية الباكستانية أكثرها حساسية. فالسعودية تملك الموارد المالية والثقل السياسي، وتركيا تملك جيشًا كبيرًا وصناعة دفاعية متقدمة، وتملك باكستان السلاح النووي. ولذلك، فإن دخول دولة نووية في اتفاق ينص على أن الاعتداء على أحد أعضائه يعد اعتداءً على الدول الثلاث يطرح سؤالًا حول مدى امتداد الردع النووي الباكستاني إلى الشريكين الآخرين.
لقد برز هذا السؤال قبل اتفاقية مكة. فبعد توقيع اتفاق الدفاع الاستراتيجي السعودي-الباكستاني في عام 2025، تحدث وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف عن القدرات النووية لبلاده في سياق الالتزام بالدفاع عن السعودية.
لكن توسيع نطاق الردع النووي الباكستاني إلى الشرق الأوسط ينطوي على تعقيدات كبيرة. فقد بُنيت الترسانة النووية الباكستانية لموازنة الهند، وقد يؤدي توسيع نطاق التزاماتها إلى إدخال إسلام آباد في صراعات لا ترتبط بأمنها. أما السعودية، فقد تواجه ضغوطًا دولية إذا فُسر الاتفاق باعتباره وسيلة للحصول على ضمان نووي، بينما تبدو حسابات تركيا مختلفة بحكم عضويتها في حلف الناتو وما يوفره لها من مظلة ردع جماعي.
هل سيدافعون عن بعضهم؟
ينبغي هنا التمييز بين التحالف من أجل الردع والتحالف من أجل الحرب. فقد ينجح الاتفاق في وظيفته الأولى من دون أن يضطر أعضاؤه إلى اختبار الثانية؛ إذ يقوم الردع الجماعي على إقناع الخصم بأن مهاجمة دولة واحدة قد توسع نطاق المواجهة لتشمل الدول الثلاث، ومن ثم رفع تكلفة الهجوم قبل وقوعه. لكن عند الانتقال من النصوص إلى ساحة الحرب، يُرجح أن تظهر الاختلافات بين مصالح الدول الثلاث وتصوراتها للتهديد، وفي التاريخ القريب شواهد على ذلك.
فعندما طلبت السعودية دعمًا باكستانيًا في حرب اليمن عام 2015، رفض البرلمان الباكستاني المشاركة في العمليات العسكرية، فيما حافظت المؤسسة العسكرية على التمييز بين الدفاع عن الأراضي السعودية والمشاركة في حرب خارجها. ومن ثم، لا يعني اتفاق مكة بالضرورة أن الجيش الباكستاني سيشارك في كل حرب تخوضها الرياض، مثلما لا يعني أن السعودية ستنخرط تلقائيًا في أي مواجهة عسكرية بين باكستان والهند. وينطبق الأمر ذاته على تركيا إذا دخلت في أزمة مع اليونان، أو السعودية إذا اندلعت بينها وبين إيران حرب، إذ تحتفظ بقية أطراف الاتفاق بعلاقات ومصالح مع هذه الدول تجعل قرار خوض الحرب أكثر تعقيدًا من مجرد تفعيل بند للدفاع المشترك.
كما أن الوفاء بالالتزام الدفاعي قد يأخذ صورًا متفاوتة، تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوفير الأسلحة والذخائر، والحرب الإلكترونية، والإسناد اللوجستي، ونشر وحدات عسكرية محدودة، قبل الانخراط في القتال. وبذلك يمكن تفعيل الاتفاق وفق درجات متفاوتة حسب طبيعة التهديد ومصالح كل دولة.
ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي لجدية اتفاق مكة سيظهر عقب مراسم التوقيع. فإذا أُنشئت قيادة أو لجنة دفاع دائمة، ووُضعت خطط طوارئ مشتركة وآليات واضحة لتفعيل الاتفاق، وأُجريت مناورات تحاكي الدفاع عن أراضي الدول الأعضاء، إلى جانب تطوير آليات للانتشار السريع وتبادل المعلومات وربط منظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي، فسيكون الاتفاق قد خطا خطوات ملموسة نحو بناء تحالف عسكري جاد. أما إذا بقيت هذه العناصر غائبة، فستظل قيمة بند الدفاع المشترك سياسية وردعية.
أين مصر؟
يثير اتفاق مكة سؤالًا بخصوص غياب مصر، خصوصًا أن الإطار الإقليمي الذي سبق الاتفاق كان رباعيًا، وضم القاهرة إلى جانب الرياض وأنقرة وإسلام آباد. فقد عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعهم الأول في الرياض في 19 مارس/آذار 2026، في سياق التعامل مع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران ودعم جهود الوساطة الباكستانية بين واشنطن وطهران. وهكذا، تشكلت دائرة تنسيق بين 4 قوى إقليمية رئيسية، قبل أن يقتصر المسار الدفاعي في مكة، حتى الآن، على ثلاث منها.
ولا توجد معطيات معلنة توضح ما إذا كانت مصر قد عُرض عليها الانضمام فرفضت، أم أن الاتفاق صُمم منذ البداية بصيغته الثلاثية. لكن يمكن تفسير غياب القاهرة بجملة من الاعتبارات، في مقدمتها حرصها على تجنب الانخراط في حالة الاستقطاب الإقليمي. فمصر ترتبط بعلاقة وثيقة مع الإمارات، التي تعد أحد أبرز داعميها اقتصاديًا، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقة استراتيجية مع السعودية. ومن ثم، قد لا ترغب القاهرة في الانضمام إلى ترتيب يمكن أن يُقرأ باعتباره منحازًا إلى أحد أطراف هذه التنافسات، أو أن يُصنف بوصفه محورًا "سنيًا" موجهًا ضد إيران أو منافسًا لإسرائيل.
ويضاف إلى ذلك أن القاهرة تبدو أكثر تحفظًا تجاه الدخول في تحالف دفاعي مفتوح قد يرتب عليها التزامات عسكرية في صراعات لا تمس أمنها القومي. فانضمامها إلى اتفاق يعتبر الاعتداء على أحد أعضائه اعتداءً على الجميع سيطرح، نظريًا، أسئلة صعبة إذا اندلعت مواجهة بين باكستان والهند، التي تربطها بمصر علاقات وثيقة، أو نشبت أزمة عسكرية بين تركيا واليونان أو قبرص، اللتين تحتفظ القاهرة معهما أيضًا بعلاقات مهمة. ولذلك تبدو صيغة التنسيق السياسي والأمني المرن التي توفرها المجموعة الرباعية أكثر ملاءمة للحسابات المصرية، على الأقل في المرحلة الحالية.
ومع ذلك، فإن غياب مصر اليوم لا يعني بالضرورة استبعادها مستقبلًا؛ إذ ترك الإعلان عن اتفاق مكة الباب مفتوحًا أمام انضمام دول أخرى. وإذا قررت القاهرة الانضمام في مرحلة لاحقة، فستضيف للتحالف أكبر دولة عربية من حيث السكان، تملك جيشًا كبيرًا، وموقعًا جيوستراتيجيًا يتحكم في قناة السويس ويربط شرق المتوسط بالبحر الأحمر.
التداعيات الإقليمية
إقليميًا، يُرجح أن تتفاوت تداعيات الاتفاق على إسرائيل وإيران والهند والإمارات، إذ تنظر كل منها إلى التقارب السعودي-التركي-الباكستاني من زاوية مختلفة، تبعًا لعلاقاتها بالدول الثلاث.
فبالنسبة إلى إسرائيل، يضيف الاتفاق عنصرًا جديدًا إلى البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، إذ يجمع السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي، وتركيا بقدراتها العسكرية وعضويتها في حلف الناتو، وباكستان بجيشها الكبير وقدراتها النووية، ما يرفع قدرة الدول الثلاث على التنسيق السياسي والعسكري في الأزمات الإقليمية، ويمنح الرياض وأنقرة عمقًا إضافيًا في التعامل معها، خصوصًا في ظل تدهور العلاقات التركية-الإسرائيلية، وتصاعد القلق السعودي من اتساع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة.
أما إيران، فمن المرجح أن تتعامل مع الاتفاق بحذر، باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها. فالسعودية منافس إقليمي رئيسي لطهران في الخليج، وتركيا تتقاطع مصالحها معها في بعض الملفات وتتنافس معها في أخرى، فيما تمثل باكستان قوة نووية مجاورة. ومع ذلك، فإن حرص الدول الثلاث على التأكيد أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها يشير إلى رغبة في تجنب ظهوره كتحالف لاحتواء طهران. ومن ثم، سيتوقف التقدير الإيراني على كيفية ترجمة الاتفاق عمليًا، ولا سيما ما يتعلق بالانتشار العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون في الدفاع الجوي والصاروخي، وطبيعة علاقته بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
وبالنسبة إلى الهند، يحمل الاتفاق حساسية أكبر بسبب دخول السعودية في إطار للدفاع المشترك مع باكستان، بالتزامن مع العلاقات العسكرية الوثيقة بين إسلام آباد وأنقرة وتقارب مواقفهما تجاه عدد من القضايا التي تهم نيودلهي. وفي المقابل، تملك السعودية مصالح اقتصادية واستراتيجية كبيرة مع الهند، ما سيدفعها على الأرجح إلى محاولة الفصل بين شراكتها الدفاعية مع باكستان وعلاقاتها المتنامية مع نيودلهي. ولذلك، قد يكون اندلاع مواجهة هندية-باكستانية جديدة أحد أصعب اختبارات الاتفاق: هل تعتبر الرياض الحرب اعتداءً على حليف يستوجب تفعيل الدفاع المشترك، أم تخضع التزاماتها لتقدير سياسي يراعي علاقاتها ومصالحها مع الهند؟ وهو الأرجح.
أما الإمارات، فستنظر إلى الاتفاق من زاوية تعزيزه للتقارب السعودي-التركي ومنحه أنقرة حضورًا أكبر في المنظومة الأمنية الخليجية، في وقت تسعى فيه أبوظبي إلى بناء شبكة من الشراكات الأمنية والعسكرية والحفاظ على حركتها الإقليمية. وفي هذه الحالة، قد تلجأ الإمارات إلى تعزيز شراكاتها مع الولايات المتحدة وفرنسا والهند وإسرائيل.
مستقبل الاتفاق
تكمن أهمية "اتفاقية مكة" في احتمال أن تصبح مركز جذب داخل منظومة الأمن الإقليمي؛ فنجاحها واستمرارها قد يفتحان الباب أمام دول أخرى للانضمام إليها. لكن الفجوة لا تزال كبيرة بين التعهد بأن الهجوم على دولة يُعد هجومًا على الجميع، وبين بناء قيادة مشتركة وخطط عمليات وآليات محددة لتفعيل الدفاع الجماعي. كما أن مصالح الدول الثلاث لا تتطابق في العديد من الملفات؛ فباكستان لا تريد الانجرار إلى مواجهة مع إيران، والسعودية ليست معنية بالدخول في نزاع باكستاني-هندي، فيما تحرص تركيا على الموازنة بين التزاماتها في حلف الناتو ومصالحها الإقليمية.
وتكشف تجربة المنطقة صعوبة بناء تحالفات عسكرية مستقرة في بيئة تتغير فيها الشراكات والخصومات سريعًا. فما قد يكون خصمًا لأحد أعضاء الاتفاق قد يكون شريكًا اقتصاديًا أو سياسيًا مهمًا لعضو آخر، وهي المعضلة التي ستظهر إذا انتقل التحالف من الردع إلى الحرب. ولهذا فإن مستقبل الاتفاق سيتحدد بقدرته على إدارة هذه الاختلافات، أما إذا بقي عند حدود التضامن السياسي، فسيمثل أداة ردع من دون أن يرقى إلى مستوى التحالف العسكري الصلب.
