سياسة

    اتفاق الإطار: لبنان الرسمي يحسم رؤيته وأولوياته وتموضعه

    محمد فواز
    محمد فواز
    الأربعاء 1 يوليو 2026
    اتفاق الإطار: لبنان الرسمي يحسم رؤيته وأولوياته وتموضعه

    وقّع لبنان وإسرائيل يوم 26 حزيران/يونيو 2026، في واشنطن، برعاية أمريكية، اتفاقاً عُرف باتفاق إطار، بعد خمس جولات من التفاوض بدأت في 14 نيسان/أبريل 2026.

    يُعتبر الاتفاق الأول من نوعه منذ اتفاق 17 مايو/ أيار 1983، الذي يُوقَّع بشكل مباشر بين الجانبين، ويفتح بدوره الباب أمام تطبيع العلاقات في ظل إعلانه "عزم الطرفين إنهاء الصراع بشكل نهائي، ومعالجة أسبابه الجذرية، وبالتالي إنهاء أي حالة حرب بينهما بشكل رسمي".

    لم يقدّم الاتفاق لبيروت عملياً إلّا التأكيد الاسمي على سيادة لبنان على كامل أراضيه، وعدم إعطاء شرعية للوجود الإسرائيلي في لبنان. لكن يمكن القول إنّ كل ما عدا ذلك كان انتصاراً لإسرائيل، لدرجة دفعت نتنياهو إلى اعتبار الاتفاق إنجازاً تاريخياً، مع التمسّك بحرية العمل الكاملة في لبنان، ضرباً وتحركاً، حتى تحقيق هدفه بنزع سلاح حزب الله.

    تُعتبر السيادة، التي اعتُرف بها للبنان، نظرية ومشروطة. فقد ثبّت الجانبان اللبناني والإسرائيلي قنطرة إجبارية لعبور أي بند آخر، وهي قنطرة سحب سلاح حزب الله والمجموعات المقاومة في لبنان. إضافة إلى ذلك، فإن تقييم عملية سحب سلاح الحزب والموافقة عليها ستكون أيضاً بيد الأمريكي والإسرائيلي، وبالتالي يمكن للإسرائيلي، حتى بعد سحب سلاح الحزب، أن يرفض الانسحاب من لبنان أو إعادة الأسرى أو إيقاف عملياته فيه، بحجة أنه لم يطمئن بعد إلى سحب سلاح حزب الله بشكل كامل.

    لقد ثبّت الاتفاق معادلة مفادها أن أي ورقة يمكن أن تقدمها إسرائيل، من انسحاب أو غيره، ستكون مرتبطة بمستوى رضاها عن أداء لبنان الرسمي والعسكري في وجه حزب الله. ويستتبع ذلك عدم وجود أي جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي أو إيقاف ضرباته على لبنان، بل إعطاء إسرائيل الحق "في الدفاع عن نفسها" طالما أن التهديد، من وجهة نظرها، موجود، دون أن يذكر الاتفاق انسحاباً إسرائيلياً حتى في هذه الحالة، بل يذكر إعادة انتشا" للقوات الإسرائيلية، كما منع إعادة الإعمار أو عودة الأهالي إلّا بعد عبور ممرات إجبارية، فضلاً عن التقييم الإسرائيلي لذلك. ولم تتم الموافقة كذلك على فكرة الانسحاب الإسرائيلي ليتمكن الجيش من التدخل وحصر السلاح. عليه، سيكون لزاماً على الجيش اللبناني سحب سلاح الحزب تحت الإشراف الإسرائيلي بحكم الأمر الواقع.

    أما حديث الاتفاق عن المناطق التجريبية، أو كما يحلو للبعض تسميتها "مناطق نموذجية"، فقد فشل الطرح اللبناني في جعلها تبدأ بأقضية بكاملها، أو أن تبدأ بالشريط الحدودي المحتل. وستبدأ من المناطق التي اختارها الإسرائيلي، والتي لم يستطع بسط سيطرته التامة عليها، كما أن طريقة التنفيذ تبدو مبهمة كذلك.

    ولم يذكر الاتفاق وقف إطلاق النار التام، بل على العكس، عزز وشرّع الضربات الإسرائيلية، مع التأكيد على نزع حق الحزب في الدفاع.

    هذا الاتفاق، الذي يضع سحب السلاح في كل بند من بنوده تقريباً، يرفع كذلك المسؤولية عن إسرائيل في اعتداءاتها في لبنان، ويقر بأنها لم تحدث إلا بسبب وجود الحزب، كما يقر الجانب اللبناني فيه بعدم ملاحقة إسرائيل في المحافل الدولية من باب تدابير حسن النية. وعليه أقر لبنان بوقف جميع الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية والقانونية الدولية.

    ناهيك عن إقرار الاتفاق بملاحقة أي تمويل خارج الرؤية الأمريكية حتى في الأعمال المدنية أو إعادة الإعمار، يطرح الاتفاق إطاراً أمنياً، كما يتحدث عن لبنان "مُعاد بناؤه"، مع الحديث عن ملحقات سرية بدأت تتسرب خيوطها. بمعنى آخر، لن يترك الإسرائيلي لبنان عند سحب سلاح حزب الله، بل سيندفع إلى الأمام بعد كل إنجاز يحققه، وصولاً إلى إعادة تشكيل بنية لبنان الاجتماعية والثقافية والمؤسسية، ليكون حليفاً لإسرائيل، أو على الأقل غير معادٍ حتى فكرياً.

    بعد الاتفاق، جاء كلام آخر لنتنياهو عن فكرة الانخراط في تشكيل الداخل اللبناني، فتحدث عن الجيش اللبناني قائلاً إنه يحتاج إلى إجراء تغييرات داخلية إذ يوجد أيضاً "جهاديون داخل هذا الجيش، وتدرك الحكومة اللبنانية ضرورة التعامل مع هذا الأمر... وسنختبر ذلك عملياً بالطبع". وقبل ذلك، تحدثت مراكز دراسات إسرائيلية عن ضرورة تغيير التعليم في لبنان، ناهيك عن تغيير القوانين التي ستكون تحصيل حاصل بعد هذا الاتفاق.

    من الصعب فهم الاتفاق بوصفه اتفاق ضرورة للدولة اللبنانية، فهو اتفاق يعكس رؤية السلطة اللبنانية لسلّم المخاطر والأولويات. فهي تذهب إلى التفاوض وعينها على الإمساك بزمام لبنان الداخلي كأولوية أولى. وكلما تقدمت إيران في مفاوضات وأدخلت لبنان معها بشكل أكبر، كلما اندفع لبنان الرسمي إلى تقديم تنازلات أكثر للإسرائيلي وإعطائه مساحات عمل أكبر كي يساعد الدولة اللبنانية على إنهاء قوة حزب الله في الداخل.

    إضافة إلى ذلك، فقد حصل تغيّران كبيران دقّا نواقيس الخطر وجعلا الدولة تندفع إلى اتفاق مع إسرائيل. كان شكله الأول هو تسرب الحديث عن بحث ترتيب أمريكي-إيراني بخصوص حزب الله، يترك للأخير قوته الداخلية مع أسلحته الخفيفة والمتوسطة شمال الليطاني، أي يحوّل ثقل الحزب إلى الداخل اللبناني، لكن هذه المرة بموافقة أمريكية. أما التغيّر الثاني فكان المبادرة السورية، مسبوقة بتهديد ترامب، الذي يطرح دخول سوريا بوصفها راعية للحلول في لبنان، وهي الدولة المنبوذة من لبنان الرسمي. وأمام هذه المعطيات، اختارت الدولة اللبنانية اتفاقاً يفتح الباب أمام استكمال المخططات الإسرائيلية في لبنان، عوضاً عن حضور الإيراني أو السوري. وأدركت إسرائيل ذلك فانطلقت لتعزيز دورها.

    أما الأمريكي، فهو يلعب على مختلف الحبال، فيخوض مفاوضات صعبة مع الإيراني، يسعى فيها إلى سحب الأوراق الحساسة منه، بقيادة وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يتابع الملف اللبناني من جهة، ويتحرك في الخليج من جهة أخرى.

    اللافت أن الاتفاق أعقبه غياب للتعليق العربي أو التركي، واستعجال في الإعلان عن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، وهو ما يعكس غياب الرضى عن اتفاق يموضع لبنان بشكل كلي في المعسكر الأمريكي الإسرائيلي، كما يفتح باب الانفجار الداخلي.

    أما الاعتراضات على الاتفاق فكانت حاضرة من حزب الله الذي رفضه بشكل تام، وما تزال عينه على أداء إيران في المفاوضات، وكذلك الرئيس نبيه برّي الذي اعتبره "فتنة"، وصولاً إلى وليد جنبلاط الذي استغرب عدم الإتيان حتى على ذكر هدنة 1949. حتى الآن، ليس الاتفاق إلا تشريعاً للعمل الإسرائيلي في لبنان، بينما تبقى جميع البنود الأخرى مرتبطة بالمستقبل، بين التنفيذ ومطاوعة الجيش اللبناني له، وردة الفعل الإيرانية وردة فعل حزب الله، التي تبدو باردة مقابل حجم الاتفاق.

    محمد فواز

    محمد فواز

    باحث في العلاقات الدولية

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *