سياسة

    حافة الهاوية: كيف يدير ترامب العلاقة مع إيران؟

    أحمد مولانا
    أحمد مولانا
    الأربعاء 12 أغسطس 2026
    حافة الهاوية: كيف يدير ترامب العلاقة مع إيران؟

    خلال أشهر الحرب، أعلن ترامب عشرات المرات أنه دمّر إيران، وعشرات المرات الأخرى أن الاتفاق معها بات وشيكًا. بهذه السخرية لخّص إسماعيل كوثري، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، التناقض في مواقف الرئيس الأمريكي، قائلاً إن ترامب ادّعى 106 مرات أنه هزم إيران، و95 مرة أنه دمّرها، و88 مرة أن التوصل إلى اتفاق بات قريبًا، و75 مرة أن مضيق هرمز مفتوح.

    فمنذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، اتبع ترامب مقاربة تقوم على رفع سقف التهديد إلى أقصى حد، متحدثًا عن ضربات غير مسبوقة قد تكون الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، بل ومهددًا بمحو الحضارة الإيرانية، قبل أن يتراجع في اللحظات الأخيرة لصالح المفاوضات. وقد جعل هذا السلوك المشهد شديد الضبابية، حتى اشتكت تل أبيب، وفق هيئة البث الإسرائيلية، من أن الطريقة التي تدير بها واشنطن الأزمة تعرقل قدرتها على التخطيط والاستعداد للمستقبل.

    التصعيد كأداة تفاوض

    تقوم مقاربة "حافة الهاوية" على دفع الأزمة إلى مستويات مرتفعة من التصعيد، بحيث يقتنع الخصم بأن الحرب أصبحت احتمالًا واقعيًا، فيضطر إلى تقديم تنازلات لتجنب الكارثة. ويُنسب تطوير هذا المفهوم إلى الاستراتيجي الأمريكي توماس شيلينغ، الذي رأى أن نجاح الردع يعتمد على إقناع الطرف الآخر بأن صاحب القوة مستعد لاستخدامها إذا اقتضت الضرورة، كما اعتبر أن نجاح الإكراه يعني إجبار الخصم على تغيير سلوكه بعد أن بدأ في اتباع سلوك غير مرغوب فيه.

    وتوصف مقاربة "حافة الهاوية" بأنها "فن التلاعب بالمخاطر"، لأنها تقوم على إدارة احتمالات يصعب التحكم بها. فكلما اقترب الطرفان من حافة الحرب، ازدادت احتمالات سوء التقدير أو حدوث تصرفات غير محسوبة من القادة العسكريين أو الوحدات الميدانية ما قد ينقل الأزمة من مربع الضغط إلى مربع الحرب الشاملة. وقد أضافت تجربة ترامب لمقاربة حافة الهاوية مع إيران بعدًا مختلفًا؛ حيث تجاوز الحافة عبر تنفيذ ضربات عسكرية، قبل أن يسارع إلى احتواء التصعيد لفتح قنوات التفاوض.

    ومن أحدث تجليات هذه المقاربة إعلان ترامب مطلع أغسطس/ آب الجاري موافقته على تعليق ضربات عسكرية مقررة ضد أهداف إيرانية، بعدما طلب منه الوسطاء منح المفاوضات فرصة إضافية. وأعرب عن اعتقاده بأن الإيرانيين يريدون التوصل إلى اتفاق، لكنه جدد التأكيد على أن الخيار العسكري سيظل مطروحًا إذا تعثرت المفاوضات، كما أبدى استياءه من نفي طهران وجود مفاوضات، رغم استمرار الاتصالات بين الجانبين، بحسب تصريحه.

    ولا يستقيم فهم سياسة ترامب تجاه إيران بمجرد متابعة تصريحاته النارية، فالأهم هو التمييز بين الحالات التي يكون فيها تصعيد الموقف أداة ضغط لانتزاع تنازلات أو تمهد لجولة قتال جديدة. وهنا تبرز فائدة فهم النمط الذي تتحرك وفقه الإدارة الأمريكية، والمؤشرات التي قد تكشف توجهاتها.

    يكشف سلوك إدارة ترامب عن نمط لإدارة التصعيد يمكن تقسيمه إلى خمس مراحل متتابعة. تبدأ المرحلة الأولى ببناء السردية السياسية، إذ تحرص الإدارة على إقناع الداخل الأمريكي بأن إيران تجاوزت الخطوط الحمراء، سواء عبر تطوير برنامجها النووي، أو استهداف القوات الأمريكية، أو تهديد الملاحة الدولية، أو دعم هجمات حلفائها الإقليميين، وذلك بهدف تهيئة البيئة السياسية لأي تحرك عسكري محتمل.

    وتتمثل المرحلة الثانية في الضغط الاقتصادي، عبر فرض عقوبات إضافية، وتشديد القيود على صادرات النفط، وملاحقة شبكات التمويل، بما يوجه رسالة إلى طهران بأن باب التراجع لا يزال مفتوحًا، وأن بإمكانها تجنب المواجهة إذا غيّرت سلوكها.

    أما المرحلة الثالثة فتتمثل في الاستعراض العسكري، من خلال تحريك حاملات الطائرات، وإرسال القاذفات الاستراتيجية، بالتوازي مع تسريب معلومات عن خطط هجومية أو خيارات عسكرية قيد الدراسة. وغالبًا ما تترافق هذه التحركات مع تصريحات من الرئيس أو كبار المسؤولين تؤكد أن "كل الخيارات مطروحة على الطاولة"، بهدف زيادة الضغط على القيادة الإيرانية وإقناعها بأن استخدام القوة أصبح احتمالًا واقعيًا.

    وإذا أخفقت هذه الضغوط في تحقيق أهدافها، تنتقل الإدارة إلى المرحلة الرابعة، والمتمثلة في استخدام القوة العسكرية عبر تنفيذ ضربات ضد أهداف مختارة بعناية، بهدف إحداث صدمة تدفع طهران إلى إعادة حساباتها.

    وتختتم هذه المقاربة بمرحلة خامسة، ترسل فيها واشنطن إشارات بأنها لا تمانع وقف إطلاق النار أو العودة إلى المفاوضات إذا التزمت طهران بشروط معينة. وبهذا تُستخدم القوة العسكرية كوسيلة لتشكيل البيئة التفاوضية، بما يسمح للولايات المتحدة بامتلاك وضع تفاوضي أفضل.

    وتُظهر تجربتا عامي 2025 و2026 أن نجاح هذا النمط يعتمد على القدرة على ضبط مستوى التصعيد. فالإفراط في استخدام القوة دفع إيران إلى توسيع دائرة المواجهة إقليميا وإغلاق مضيق هرمز. ولهذا يحاول ترامب الموازنة بين إظهار الاستعداد للحرب وتجنب الانزلاق إلى حرب طويلة يصعب التحكم في مسارها.

    مؤشرات التصعيد

    ونظرا لأن تصريحات ترامب لا تكفي للتنبؤ بقراره، فإن قراءة المؤشرات العملية تحظى بأهمية. ويمكن تصنيف هذه المؤشرات إلى نوعين رئيسيين: عسكرية ودبلوماسية. وكلما اجتمعت مجموعة أكبر منها في وقت واحد، ارتفعت احتمالات استخدام القوة.

    ومن أبرز المؤشرات العسكرية إرسال مجموعات حاملات الطائرات، ونشر قاذفات استراتيجية بعيدة المدى في قواعد قريبة من مسرح العمليات، وتعزيز منظومات الدفاع الصاروخي، وزيادة طلعات طائرات الاستطلاع والإنذار المبكر، ورفع جاهزية القواعد الأمريكية، وتكثيف عمليات نقل الذخائر والوقود وقطع الغيار.

    أما المؤشرات الدبلوماسية فتشمل اتصالات مكثفة مع الحلفاء، للحصول على تسهيلات عسكرية، أو لتنسيق المواقف السياسية، أو لاحتواء ردود الفعل. كما تزداد وتيرة التحذيرات الموجهة إلى الرعايا الأمريكيين، وقد تُتخذ قرارات بخفض عدد العاملين في السفارات أو إجلاء عائلات العسكريين من بعض القواعد.

    حسابات الحرب والاحتواء

    لا تحكم قرار الحرب لدى ترامب اعتبارات عسكرية وسياسية بحتة بقدر ما يشكله مزيج من الحسابات الأمنية والاقتصادية والسياسية وحتى الشخصية، وهو ما يفسر التذبذب في مواقفه بين التصعيد والاحتواء.

    ويأتي في مقدمة العوامل الدافعة إلى استخدام القوة تقديره لطبيعة التهديد الإيراني، فترامب يفضل التحرك عندما يعتقد أن كلفة الضربة اليوم ستكون أقل من كلفة المواجهة في المستقبل. ويرتبط بذلك حجم الضرر الذي يلحق بالمصالح الأمريكية. فاستهداف القواعد الأمريكية، أو سقوط عدد كبير من القتلى في صفوف القوات الأمريكية، أو تعطيل الملاحة الدولية، أو تعرض أحد الحلفاء الرئيسيين لهجوم كبير، كلها تطورات تجعل الامتناع عن الرد الأمريكي أكثر كلفة، سياسيًا واستراتيجيًا، من اللجوء إلى القوة.

    في المقابل، توجد اعتبارات قد تدفع ترامب إلى احتواء التصعيد أو وقف العمليات. ويأتي في مقدمتها رفضه للحروب الطويلة؛ فمنذ حملته الانتخابية الأولى، جعل من انتقاد حربي العراق وأفغانستان جزءًا محورياً من خطابه السياسي، معتبرًا أنهما استنزفتا الموارد الأمريكية دون عائد يتناسب مع تكلفتهما. وقد أظهرت الحرب مع إيران أن الإدارة الأمريكية سعت إلى تجنب الانخراط في عمليات برية ستسفر عن خسائر كبيرة.

    كما تحتل الاعتبارات الاقتصادية مكانة بارزة في حساباته. فهو يدرك أن أي مواجهة طويلة قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الأسواق، وزيادة الإنفاق العسكري، وهي عوامل تؤثر سلبًا على الاقتصاد الأمريكي. لذلك يفضل ترامب، كلما أمكن، توجيه ضربات محدودة تحقق أثرًا عسكريًا وسياسيًا، ثم الانتقال إلى مرحلة الاحتواء قبل أن تبدأ كلفة الحرب في التصاعد.

    هذه الحسابات تجعل العلاقة الأمريكية الإيرانية مرشحة للبقاء في دائرة من التصعيد المتقطع. فمقاربة حافة الهاوية، مهما حققت من مكاسب تكتيكية، فهي تنطوي على مخاطر استراتيجية، فالإفراط في التهديد ثم التراجع عنه يؤدي إلى تآكل مصداقية الولايات المتحدة، ويضعف ثقة الحلفاء بالتزام واشنطن بمواقفها، كما قد يشجع الخصوم على اختبار حدود القوة الأمريكية.

    أحمد مولانا

    أحمد مولانا

    ماجستير علاقات دولية، باحث في مجال الدراسات الأمنية والسياسية

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *