لماذا لا تقدم الصين وروسيا على عمليات مثل مداهمة مادورو؟
في أعقاب إقدام الولايات المتحدة على اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حذّر بعض المراقبين ومسؤولي الولايات المتحدة من أن ذلك قد يمنح موسكو وبكين ضوءًا أخضر لتنفيذ عمليات مماثلة في أوكرانيا وتايوان.
وكما لا تعترف الولايات المتحدة بشرعية حكم مادورو في فنزويلا، لا تعترف روسيا والصين بشرعية استقلال أوكرانيا وتايوان، كلٌّ على حدة. فإذا ما أقدمت الصين، على سبيل المثال، على اعتقال الرئيس التايواني لاي تشينغ دي، أو إذا ما قبضت روسيا على الرئيس الأوكراني زيلينسكي، فعلى أي أساس يمكن للولايات المتحدة أن تعترض بشكل معقول؟
غالبًا ما يُفترض أن دولًا أخرى تمتنع عن بعض الأفعال لأنها أكثر احترامًا للأعراف الدولية من الولايات المتحدة، التي يُنظر إليها في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أنها متحررة بشكل استثنائي من القيود الأخلاقية، وبالتالي تفعل ما تشاء.
غير أن هذا التفكير معيب في هذا السياق تحديدًا، لسببين رئيسيين.
لا تمتنع روسيا والصين عن تنفيذ مهام مماثلة بسبب عرف مزعوم يحظر انتزاع قادة تعتبرهم غير شرعيين. بل تمتنعان لأنهما تفتقران إلى القدرة على القيام بذلك. ففي الأيام الأولى لغزو روسيا لأوكرانيا، حاولت موسكو تنفيذ هذا النوع من العمليات بالضبط وفشلت. إذ تسلل عملاء روس إلى كييف بأوامر لاعتقال زيلينسكي واحتجازه إلى أن تصل قوات محمولة جوًا تهبط في هوستوميل القريبة لتعزيزهم. ولم يتحقق أي من الهدفين: تكبدت الوحدات المحمولة جوًا الروسية خسائر فادحة في الجو وعلى الأرض، وتم تفكيك شبكة العملاء الروس في كييف. وبعد فشلها باستخدام "المشرط الجراحي"، تعتمد روسيا الآن على القوة الغاشمة، لا العمليات الخاصة، لكسر أوكرانيا.
أما جيش الصين، فرغم كونه غالبا أكثر تقدمًا تقنيًا من الجيش الروسي، فإنه يواجه قيدًا مختلفًا: غياب شبه كامل للخبرة القتالية. فقد كانت آخر مشاركة عسكرية كبرى للصين، هي حربها مع فيتنام في عام 1979، قبل نحو خمسين عامًا. ويشهد جيش التحرير الشعبي معدل تبدل مرتفعًا في الأفراد، كما واجه صعوبات في الاحتفاظ بضباط صف ذوي خبرة. وعلى هذا، وعلى خلاف الولايات المتحدة، تفتقر الصين إلى كادر من المحاربين القدامى ذوي الخبرة القتالية الفعلية لتدريب الجيل التالي على تنفيذ عمليات خاصة معقدة. صحيح أن جيش التحرير الشعبي يتدرّب على مثل هذه السيناريوهات، بل وبنى نسخة كاملة الحجم من مبنى المكتب الرئاسي التايواني في منشأة تدريب صحراوية. لكن التدريب ليس خبرة.
وهناك أيضًا عائق أكثر وضوحًا: تايوان ليست ضعيفة مثل فنزويلا. فبينما يفتقر جيش تايوان بدوره إلى خبرة قتالية كبرى حديثة، فإنه متمرّس للغاية في مراقبة واعتراض النشاط الجوي المعادي، ويملك منظومة متقدمة من أنظمة الإنذار المبكر الجوية والأرضية. لكي تنفذ الصين عملية مماثلة للمهمة الأمريكية في فنزويلا، لن تحتاج إلى ضرب عشرات الأهداف فقط، بل على الأرجح ستضطر لاستهداف مئات الأهداف. وقد يتطلب مثل هذا الجهد أيامًا من الضربات التمهيدية، يمكن خلالها لقيادة تايوان أن تتفرق أو تعيد الانتشار. إن اعتقال الرئيس لاي من مقر إقامته المحصن في قلب تايبيه لن يكون عملية "اضرب واهرب" إلا إذا اقترن، بطبيعة الحال، بغزو واسع. وعندئذٍ لا تعود عملية خاصة، بل تصبح بداية حرب.
ويبدو أن جيش التحرير الشعبي يدرك ذلك، ولهذا صاغ نهجًا أبسط بكثير للتعامل مع قيادة تايوان: قصفها حتى التدمير. فخلال مناورات عسكرية الشهر الماضي، تدربت الصين على استخدام قوات جوية وبحرية وبرية لفرض حصار على تايوان وتنفيذ ضربات دقيقة ضد القوات التايوانية. وكتب المعلّق جون شنغ في موقع "الصين العسكري أونلاين" التابع للجيش أن "قطع رأس القيادة" كان هدفًا مركزيًا للتمرين، في إشارة إلى أن جيش التحرير الشعبي قادر على "فرض إجراءات عقابية دقيقة ضد المحرّضين الرئيسيين في أي لحظة".
إن الجدل الأخير حول العملية الأمريكية في فنزويلا ليس سوى مثال آخر على معاناة الولايات المتحدة من القناعة المُسلّم بها لتفوّقها العسكري. فالقوات الأمريكية بارعة إلى درجة أن عملياتها قد تبدو شبه سحرية. ففي العام الماضي تقريبًا، نفذت الولايات المتحدة عمليات قتالية فوق اليمن وإيران، والآن فنزويلا، دون أن تفقد طائرة مأهولة واحدة مؤكدة بنيران العدو. وعلى النقيض، تخسر القوات الروسية بانتظام طائرات قتالية في أوكرانيا، بينما يدرك جيش التحرير الشعبي التفوق التكتيكي الأمريكي إلى حد أنه يدرّب طياريه صراحة على عدم الانخراط في اشتباكات جوية قريبة.
ولا يهدف كل ذلك إلى التقليل من التهديد الذي تشكله روسيا أو الصين. بل يهدف إلى التأكيد على أن كليهما يعتمد على القوة الغاشمة لتعويض دونيته التكتيكية، وهو ما قد يكون فعالًا في بعض السياقات، لكنه ليس كذلك في مجال العمليات الخاصة القائمة على الدقة. ولن "تتشجع" روسيا والصين على تنفيذ عمليات استهداف القيادات في المستقبل القريب، ولا علاقة لذلك بالأعراف. السبب ببساطة أن الصين لا تعتقد أنها جاهزة، وأن روسيا سبق أن وضعت يدها في النار واحترقت.
