عسكري

    بما تخبرنا خطة أفنير؟ قراءة في بدايات العقل العسكري الإسرائيلي

    بشار اللقيس
    بشار اللقيس
    الأربعاء 16 سبتمبر 2026
    بما تخبرنا خطة أفنير؟ قراءة في بدايات العقل العسكري الإسرائيلي

    قراءة في بدايات العقل العسكري الإسرائيلي

    في هذا المقال، سنعرّج على عدد من الأسماء الإسرائيلية غير المألوفة للقارئ العربي، وهذا مقصود؛ إذ نريد للمقال أن يكون نافذة تدفع القارئ إلى مزيد من البحث والاستقصاء حول الشخصيات الواردة فيه، وتجاربها والأدوار التي أدتها.

    وسنتوقف عند تجربتين أو أكثر من تجارب العمل البحثي والإعلامي في الحركة الصهيونية قبل تأسيس إسرائيل، لنبين كيف انخرط النشاط الإعلامي والثقافي في صميم العمل العسكري، حتى أصبح أحد مكوناته الأساسية.

    لقد أدرك رواد الصهيونية الأوائل أهمية الثقافة بالنسبة إلى المقاتلين، فلم ينظروا إليها بوصفها ترفًا أو أمرًا زائدًا على حاجتهم العسكرية، بل جزءًا من تكوين المقاتل وصلب رؤيته للعمل العسكري.

    فالمقاتل، في لحظة الاشتباك، يحتاج إلى معرفة ما ينبغي عليه فعله، وإلى إدراك الأبعاد الاستراتيجية والتكتيكية للقتال الذي يخوضه، بوصفها مسألة ينبغي أن تشغل وعيه وتفكيره. وهنا يكمن أحد الفوارق الجوهرية بين المقاتل المحترف والمقاتل الهاوي.

    وللأسف، كانت هذه المسألة تحديدًا أحد الفوارق التي ظهرت بين المقاتل العربي ونظيره الإسرائيلي خلال أربعينيات القرن الماضي، وربما ظل هذا الفارق لمصلحة الإسرائيلي لفترات طويلة لاحقة، لدى المقاتل العربي يتفوق فيه على نظيره الإسرائيلي، علمًا أن هذا الأمر سيتطلب تغييرات بنيوية في قلب المشهد المجتمعي العربي.

    وعي المقاتل هو وعيه المدني

    في افتتاحية العدد الأول من مجلة "معرخوت"، الصادر في أيلول/سبتمبر 1939، كتب ديفيد بن غوريون عن النهضة اليهودية التي أخذت الصهيونية على عاتقها تحقيقها، قائلاً: "نجح المشروع الصهيوني في التأسيس لثلاثة أعمدة أساسية في نهضته: الحث على العمل، وإعادة الروح إلى اللغة العبرية، وإقامة الحكم الذاتي. وإلى جانب هذه الأعمدة، وبسبب خطر الحرب العالمية من الخارج، وخطر تجدد الثورة الفلسطينية في الداخل، ثمة ضرورة لإضافة الاستعداد الدفاعي للييشوف بوصفه عمودًا رابعًا". واليشوف هو المجتمع اليهودي في فلسطين قبل قيام دولة إسرائيل عام 1948.

    كانت فكرة بن غوريون واضحة: ينبغي بناء مجتمع مستعد عسكريًا على الدوام. ومن هذا المنطلق، حدد وظيفة مجلة "معرخوت"، بوصفها المنشور الأول من نوعه في تاريخ "شعب إسرائيل" المعني بتعليم الأمة دورها الأمني، من خلال ما ستستمده المجلة من منجزات العلم العسكري في العالم، والاعتماد قدر الإمكان على التجربة الذاتية في حالة الدفاع عن البلاد.

    ودعا بن غوريون محرري المجلة إلى تناول معارك بني إسرائيل في العصور القديمة، انطلاقًا من اعتقاده بأن جغرافية البلاد لم تتغير عما كانت عليه في الماضي، وهذه فكرة مركزية لطالما كررها بن غوريون، سعيًا إلى خلق حالة من المماهاة بين الصهاينة وبني إسرائيل القدماء، وربط التجربة العسكرية الصهيونية الناشئة بتاريخ عسكري يمتد إلى العصور القديمة.

    كما دعا إلى تعريف الأمة بالتجربة العسكرية الواردة في التناخ، أي كتب العهد القديم. لقد أُعدت "معرخوت" لتوسيع الثقافة السياسية-العسكرية لجندي الصف والإنسان العادي، أما الهدف الأسمى للمجلة، فأن تكون إحدى الأدوات التي تقرّ الاستقلال إسرائيل في أرضها.

    المثقفون مقاتلون يصنعون وعي المجتمع

    حرر أليعزر غليلي (1903 - 1988) مجلة "معرخوت" لمدة 28 عامًا (1939 - 1967). وفي السنوات الأولى من عمله ساعده أليعزر ليفنه (ليفنشتاين).

    وُلد غليلي عام 1903 في إقليم سمولينسك في روسيا لعائلة يهودية ميسورة. وتشكلت شخصيته داخل العالم اليهودي والصهيوني المتعلم في روسيا وشرق أوروبا في العقود الأولى من القرن العشرين على خلفية الحرب العالمية الأولى، والثورة في روسيا (1917) وبناء النظام السوفيتي. وبالتوازي مع تحصيله المعرفي الواسع والتبحر العميق الذي كان جزءًا رئيسيًا من شخصيته، كان غليلي من مؤسسي حركة "هشومير هتسائير" (الحارس الشاب) وأجرى محاولاته الأولى في إصدار المجلات في روسيا في أوائل عشرينيات القرن الماضي.

    وفي عام 1923، بمبادرة من ديفيد بن غوريون، اشترى غليلي 150 كتابًا في الشؤون العسكرية، وأرسلها إلى فلسطين، فاُستخدمت لاحتياجات "الهجاناه" التي كانت تشهد أولى محاولات إقامتها عام 1920.

    عام 1925 هاجر غليلي إلى فلسطين، وأسس مع أعضاء هشومير كيبوتس أفيكيم في غور الأردن. وانفصل غليلي مع أصدقائه نهائيًا عن "هشومير هتسائير" عام 1930، وأسسوا منظمة منفصلة ("نتسح" - الشباب الطليعي المحارب). وفي عام 1930، مع تأسيس حزب "ماباي" (حزب عمال أرض إسرائيل)، انضم غليلي إلى الحزب.

    كان غليلي مقربًا من ديفيد بن غوريون وموشيه شيرتوك (شاريت) الذين قادوا الييشوف اليهودي. كما كان مقربًا من قادة الهجاناه. تعلم بمفرده التاريخ والأدب العسكري من خلال اطلاعه على مصادرها بسبع لغات مختلفة، ومع الوقت، مال أكثر فأكثر إلى الانشغال النظري بالمجال العسكري.

    وفي عام 1935، خرج غليلي في مأمورية من الوكالة اليهودية إلى بريطانيا، ومكث فيها قرابة ثلاث سنوات (من تشرين الأول/أكتوبر 1935 حتى أيلول/سبتمبر 1938). ظاهريًا كانت المأمورية تهدف إلى العناية بحركات الشباب وتجنيد الطاقات، لكن هدفها الحقيقي كان في المجال العسكري-الأمني.

    فديفيد بن غوريون رئيس الوكالة اليهودية، وموشيه شاريت رئيس الدائرة السياسية للوكالة، بالتشاور مع أعضاء قيادة الهجاناه (إيلياهو غولومب، شاؤول أفيغور، ودوف هوز)، كلفوا غليلي بدراسة تشكيالت القوات المسلحة البريطانية ومنظومة الدفاع عن الإمبراطورية البريطانية، وإقناع الخبراء العسكريين البريطانيين بقيمة اليشوف اليهودي في فلسطين بالنسبة للمصالح الأمنية لبريطانيا في الشرق الأوسط، وإيجاد فهم أفضل لاحتياجاته.

    خلال فترة وجوده في بريطانيا، كرس غليلي جل جهوده لتقفي المعلومات عن الجيش البريطاني، والبحث عن الأدبيات العسكرية وقراءة المجلات العسكرية.

    وفي السنوات 1936 - 1937 حضر 3 سلاسل من المحاضرات حول القوات المسلحة البريطانية: عن البحرية ألقاها الأدميرال ريتشموند، وعن سلاح الجو ألقاها نائب مارشال سلاح الجو الملكي غوسيج، وعن الجيش ألقاها الجنرال آيرونسايد.

    من خلال العرض الذي قدمه الجنرال آيرونسايد، وقف غليلي على قوة الجيش البريطاني في فلسطين ومصر، وعلى توجهاته المحتملة.

    لم ينجح غليلي في اختراق جدار السرية في الجيش البريطاني، وحتى مساعدة بالنش داغديل، ابنة أخت أرتور جيمس بلفور، لم تجد نفعًا في هذا الأمر. كل ما استطاع غليلي فعله هو قراءة المواد العلنية - كتب، حوليات، مجلات وصحف - وفيها أيضًا وجد معلومات كثيرة.

    في الواقع، ذُهل غليلي من الطريقة التي كشف بها البريطانيون أمام الجميع عن استعداداتهم للدفاع في كامل المجال بين الهند، الشرق الأوسط والجزر البريطانية.

    أما أليعزر ليفنه (ليفنشتاين) (1903 - 1975)، نائبه في تحرير مجلة "معرخوت"، فقد وُلد في بولندا وهاجر إلى فلسطين عام 1920. وفي صيف 1936 وصل ليفنه إلى نتيجة مفادها أن ثقل العمل الصهيوني ينتقل من الاستيطان إلى الجيش.

    وفي مقالات نشرها في "دفار" عبّر عن الفرضيات الأساسية التي توصل إليها: حرب عالمية ستندلع في السنوات القريبة؛ الصراع اليهودي - العربي سيحسم في النهاية بالقوة؛ يجب استغلال الحرب العالمية لإيجاد قوة عسكرية يهودية مستعدة للمواجهة الحاسمة مع العرب. وبإمكان الييشوف اليهودي الانتفاض ضد بريطانيا للوصول معها إلى اتفاق على استقلال جزئي.

    هذا الميل للتفكير العسكري وجد ضالته أخيرًا ليفنه عندما أعرب عن رغبته أمام كتسنلسون وشاريت بالخروج إلى بريطانيا لدراسة الشؤون العسكرية والسياسية.

    وفي نيسان/أبريل 1937 وصل ليفنه إلى بريطانيا والتقى بغليلي. تبين لليفنه أن آراءهما متشابهة. في ذلك اللقاء في لندن، قرر الاثنان أنه فور عودتهما إلى فلسطين سيصدران مجلة بالعبرية: "مخصصة للعلوم العسكرية والتدريب العسكري".

    في نهاية نيسان/أبريل 1938 كتب ليفنه وغليلي مذكرة تحت عنوان "موقع أرض إسرائيل العبرية في إطار الدفاع عن الإمبراطورية في الشرق الأوسط"، ادعيا فيها أن القدرة الصناعية لفلسطين العبرية، مع القوى البشرية الفنية فيها، تجعلها الأكثر ملاءمة لتكون قاعدة لوجستية للإمبراطورية في وقت الشدة.

    وأرسل حاييم وايزمان المذكرة إلى شخصيات مختلفة، منهم ليدل هارت، وبن غوريون، وغولومب، هوز، كتسنلسون، مايروف، وشاريت. وحث غليلي شاريت على فعل كل ما يلزم حتى يستطيع وايزمان الخروج من البالد إلى لندن مع خطط عمل في المجال اللوجستي والمجال العسكري.

    وفي تشرين الأول/أكتوبر 1938 عاد غليلي إلى فلسطين قبل أسابيع قليلة من نشر تقرير لجنة وودهيد (تشرين الثاني/نوفمبر 1938). ولأن غليلي كان مهمومًا بنقل معرفته إلى الهجاناه، فقد ألقى، ما بين أيلول/سبتمبر 1939 وتموز/يوليو 1942، ست محاضرات أمام قوات الهجاناه تناولت: الجيش البري، القوات المدرعة، حرب الصحراء، سلاح الجو والقوات البحرية. فيما نُشرت هذه المحاضرات لاحقًا في "معرخوت" وأثرت بشكل كبير في النقاشات العسكرية الأولى لدى جمهور القراء.

    كان جوهر محاضرات غليلي متمحورًا في نقطتين: إعادة استحضار التجربة التناخية اليهودية في القتال، وإعادة استحضار الأدبيات النازية في الهجوم المدرع. وهاتان الركيزتان قامت عليهما العقيدة العسكرية الإسرائيلية.

    في المحاضرة الأولى قدم غليلي مقاربته تحت عنوان "البحر الأبيض المتوسط كمسألة استراتيجية". وبعد استعراضه لخطوط المواصلات والمتغيرات التقنية التي حوّلت المتوسط من مجرد خليج شاسع إلى طريق اتصال عالمي، بدأ غليلي باستعراض آراء الخبراء والعسكريين الغربيين تجاه جيوبوليتيك المتوسط، فتوقف عند كل من الجنرال روان روبنسون أحد أشهر كبار العسكريين البريطانيين، والأدميرال أوستبورن (المدير السابق لدائرة الاستعلامات في الجيش البريطاني)، والجنرال جورج كاترو المراقب العسكري لصحيفة "التان" الهامة في حينه، والأدميرال هيربرت ريتشموند، ثم المنظر للحرب الحديثة ليدل هارت، والمقصود في استعراض آراء كل هؤلاء الوقوف على منظور المؤسسات العسكرية في رؤيتها لحوض البحر الأبيض المتوسط، وتحديد موقع وموضع إسرائيل المناسب في ضوء هذه الرؤى.

    أما محاضرته الثانية التي قدمها بعنوان "الحرب المتحركة والمدرعات ودروسها في أعقاب الحملة على بولندا، (1939)" فقد تناول التحول الجذري في عقيدة الحرب الحديثة، والمتمثل في استبدال المشاة التقليدية بالتشكيالت المدرعة والمتحركة كعنصر ضارب أساسي، قبل أن يتوقف عند التكتيكات الألمانية في خرق الخطوط الدفاعية وأهمية الاندفاع العميق لتدمير مراكز القيادة وخطوط الإمداد.

    وتناولت المحاضرات الأربع الأخيرة أنماط قتال اليهود خلال مرحلة الهيكل الثاني، والتطور التاريخي للتكتيكات العسكرية والأنظمة القتالية للجيوش التي واجهها اليهود، بدءًا من الجيش اليوناني الهيلينستي وصولًا إلى الفيالق الرومانية، ثم بين كيف استغل المكابيون اليهود هذه الاختلافات التكتيكية بالتكيف مع جغرافية البلاد واستخدام الأسلحة الخفيفة والمناورة، واعتماد مبدأ حرب العصابات المباغتة، والكمائن في التضاريس الجبلية الصعبة (كما في معارك جبعون وبيت حورون).

    خطة أفنير جزء من كل

    في عام 1939 صدر العدد الأول من معرخوت. وكان عام اختبار للييشوف الأول. ففي أرض فلسطين انتهت للتو الثورة العربية الكبرى (1936 - 1939). وتزايدت خطورة التهديد العربي بعد أحداث الخليل وصفد عام 1929. كما حدث تحول حاد في سياسة البريطانيين. ففي أيار/مايو من ذلك العام أعلنوا عن الكتاب الأبيض الثالث، وأقروا سياسات تقليص أعداد المهاجرين اليهود لخمس سنوات.

    في هذا الوقت، كانت منظمة الهجاناه؛ الذراع العسكري للييشوف اليهودي، في طريقها للتشكل كجيش نظامي من خلال سلاح الخفر العبري أو قوات النوتريم. ووسع البريطانيون من النوتريم، حتى بلغ عدد أفرادهم 22 ألف شخص يحوزون نحو 8 آلاف بندقية فضلًا عن الأسلحة الأخرى.

    ومن صفوف النوتريم برز قادة ألوية ورؤساء أركان مستقبليون مثل يغآل ألون وموشيه ديان، وتشكلت أطر على مستوى كتائب مكنت من إقامة جزء من ألوية الجيش الإسرائيلي خلال حرب عام 1948.

    رسميًا خضعت النوتريم للبريطانيين، أما عمليًا فقد وُضعت تحت تصرف الهجاناه بما فيه من قوات تمتعت بالتمويل، والتسليح، والتدريب، والوضع القانوني. وفي الوقت نفسه، نفذت هذه القوات المهام التي أوكلتها إليها الهجاناه. ومع النوتريم تم الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، ومن الدفاع في نطاق المستوطنات إلى الخروج إلى الفضاء المفتوح.

    ومع النوتريم، بلورت الهجاناه مفهوم القوات المتحركة مثل فرق الليل الخاصة، ومعها وضع إليميلخ زليكوفتس (الذي عُرف فيما بعد باسم إليميلخ أفنير) الخطة الوطنية الأولى "الخطة أ" (خطة أفنير) في فترة رئاسة يوحنان راتنر للمقر الوطني للهجاناه.

    شكلت الخطة تحولًا مفصليًا في الفكر العسكري للهجاناه، إذ نقلت المنظمة من العمل الميليشيوي المحلي المقتصر على الحراسة والدفاع عن أطراف المستوطنات اليهودية إلى تنظيم عسكري شامل يتولى التخطيط العملياتي والتكتيكي للدفاع عن كامل اليشوف على مستوى فلسطين.

    اعتمدت "الخطة أ" على مفهوم الدفاع النشط والمنظم؛ فقسّمت مناطق الاستيطان اليهودي إلى قطاعات ومناطق دفاعية محددة تحت قيادة موحدة، ووضعت الترتيبات الأولى لتشكيل قوات متحركة قادرة على التدخل السريع والإسناد بين المناطق. كما حددت الخطة حجم القوة البشرية، واحتياجات التسليح، وخطوط الاتصال والتنسيق مع السلطات البريطانية والسلاح المساعد.

    وهكذا، وضعت خطة أفنير المعالم الأولى لمنطق الحروب الإقليمية الشاملة وأسس إدارة الأراضي بعد احتلالها.

    وأجد ها هنا، من المفيد الوقوف عند خارطة خطة أفنير كما تظهر في الصورة أعلاه، لاستقراء ثلاثة فضاءات متصلة ببعضها البعض؛ الفضاء السياسي، العسكري، والاجتماعي.

    فمثلًا سيطالعنا في الخريطة شبكة الطرق/כבישים ممثلة بخط رفيع متصل. هنا الخطة تنظر إلى المستوطنات كشبكة اتصال تستطيع القوات التحرك من خلالها. ثم السكك الحديدية/מסילת הברזל مع ما تعنيه من نقل للقوات والذخيرة والمؤن، وما تفرضه من ضرورة تأمين حماية عقد المواصلات على الخط الساحلي، بين حيفا وتل أبيب.

    ثم هناك الخط/קו، وهو على خمسة أنواع: خط الجبهة الدفاعية أ (مرسوم كخط عريض متصل)، يمكن أن نراه على الخريطة بين سهل الحولة وعكا. وخط الجبهة الدفاعية الثانية ب (مرسوم كخط متقطع بفواصل نقطية مفردة)، يمكن أن نراه على الخريطة ممتدًا من جنين إلى القدس، وعلى الحدود مع لبنان، خط الجبهة الدفاعية الثالثة ج (مرسوم كخط متقطع بفواصل نقطية مزدوجة) ونراه على الخريطة إلى الشرق من بحيرة طبريا، خط الإخضاع والسيطرة (مرسوم كخطان متوازيان يقتربان لبعضهما البعض غير متصلين) نراه على الخريطة واصلًا بين طبريا وعكا كـ(ARC)، خط التجميع (مرسوم كخط متصل مفرد) ونرى ثلاثة منه بين صفد وعكا، أسفل الجليل الأعلى، وطبريا وعكا. ثم المربعات التي يشير إلى المواقع المحصنة.

    تكشف هذه الخريطة تكامل المسألة الأمنية والاجتماعية في آن. كما تكشف حقيقة المخاوف الإسرائيلية التي تضع شمال فلسطين المحتلة في أولى أولوياتها. فالحدود مع لبنان تقع ضمن خط الجبهة الدفاعية الثانية، فيما خطوط التجميع ممركزة في الجليل الأسفل، وخط الإخضاع ممتد من سهل بيسان إلى عكا.

    هذه الخطوط لم تكن معزولة عن مشروع "البرج والسور - חומה ומגדל" الذي شرع به الإسرائيليون قبيل عام واحد لإعادة هندسة الانتشار الاستيطاني وعسكرته. فخلال الثورة العربية الكبرى (1936 – 1939)، قامت الحركة الاستيطانية ببناء 43 مستوطنة محصنة بين العفولة، بيسان، وعين حارود، بهدف خلق نقاط استراتيجية تمسك بالأرض والممرات والنقل.

    سياسيًا تطلبت هذه الخطة انحيازًا بريطانيًا مغايرًا لواقع حال سياسة لجنة بيل وسياسات التقسيم، الأمر الذي دفع ببن غوريون للبدء بالتفكير الجدي بربط المشروع الصهيوني بالإمبراطورية البريطانية.

    وفي نهاية نيسان/أبريل 1938 كتب أليعزر ليفنه (1902 - 1975) وأليعزر غليلي (1903 - 1988) مذكرة بعنوان "موقع أرض إسرائيل العبرية في إطار الدفاع عن الإمبراطورية في الشرق الأوسط"، سعى فيها كلاهما إلى طرح أن تكون فلسطين واليشوف اليهودي جزءًا من خطط الدفاع عن الإمبراطورية البريطانية.

    شرح غليلي وليفنه أهمية فلسطين كقاعدة للدفاع عن الإمبراطورية البريطانية إذا انضمت إيطاليا إلى أعداء لندن، أو أُغلق البحر المتوسط، أو قُطع الاتصال بين الجزر البريطانية والهند.

    خلال مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن بين 7 فبراير و17 مارس 1939، قدمت القيادة الإسرائيلية تقارير للبريطانيين تفيد بقدرتهم على تجنيد 50,000 متطوع في فلسطين و50,000 متطوع من يهود الولايات المتحدة، وإنشاء قوة ذات شأن في الشرق الأوسط لمساعدة البريطانيين في الدفاع عن المنطقة.

    ومن هذا المنطلق، كتب ليفنه وغليلي المذكرة التي أُرسلت في نهاية آذار/مارس 1939 إلى مركز "ماباي" تحت عنوان: "لفحص قوتنا العسكرية".

    توصل الكاتبان فيها إلى استنتاج بأن اليشوف اليهودي لزم ببناء قوة عسكرية، وأن بناء مثل هذه القوة سيحسم مستقبله. وادعيا أنه من الضروري إقامة سلاح ميدان صهيوني يستطيع صد أي هجوم عربي في سيناريو يضطر فيه البريطانيون لنقل قواتهم إلى الصحراء الغربية لمواجهة عسكرية محتملة مع إيطاليا.

    وهكذا، تحركت خطة أفنير في 3 فضاءات: الفضاء العسكري، من خلال عسكرة المجتمع وتحويله إلى جيش نظامي؛ فضاء ثقافي، من خلال عمل الأليعازر غليلي وليفنه النشط من أجل بناء ثقافة عسكرية فعالة؛ وفضاء سياسي من خلال عمل وايزمان، شاريت، بن غوريون مع غليلي وليفنه على موضعة إسرائيل في قلب تفكير الإمبراطورية البريطانية السياسي.

    المصادر

    [1] إسرائيل بن دور، نظرة على السنوات الثمانين الأولى، مجلة معرخوت، العدد 500، ص. 13.

    [2] "النوتريم": أو الحراس هم قوات شرطة يهودية، أنشأ البريطانيون هذا الجهاز عام 1936 بهدف المساعدة في قمع الثورة العربية الكبرى وحماية المنشآت والمستوطنات اليهودية وخطوط أنابيب النفط البريطانية.

    [3] كان أفنير أحد رواد الهاغاناه. عام 1921 تواصل معه إلياهو غولومب للانضمام إلى اللجنة المكلفة بصياغة وتخطيط المبادئ التوجيهية لتدريب وتنظيم الهاغاناه. عُقدت اجتماعات اللجنة، التي سميت "مؤتمر الضباط والرقباء"، في عين غانيم. وبعدها مباشرة قاد أفنير أول دورة لقادة الهاغاناه وعُيّن كبير المدربين. عام 1937، وبعد صدور توصيات لجنة بيل بشأن تقسيم فلسطين، طُلب منه قيادة المقر الوطني للهاغاناه وضع خطة للدفاع عن المستوطنة اليهودية في فلسطين. فكانت الخطة التي وضعها المعروفة باسمه أول خطة استراتيجية للدفاع عن حدود الكيان وإن لم تُقبل من قبل هيئة الأركان العامة للهاغاناه.

    [4] نقلًا عن العدد المزدوج: إسرائيل بن دور، نظرة على السنوات الثمانين الأولى، مجلة معرخوت، العدد 500، عن العدد 427 - 428 من المجلة في تشرين الأول/أكتوبر 2009.

    بشار اللقيس

    بشار اللقيس

    كاتب لبناني

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *