القوة الجوية أخفقت في أكبر اختبار لها: ماذا أثبتت الحرب مع إيران بشأن كسب الحروب؟
أستاذ الاستراتيجية البحرية في الكلية البحرية الأمريكية
أمضت الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران صيف عام 2025 وهي تختبر سؤالاً شغل دوائر صنع القرار في واشنطن والقدس لعقود: هل تستطيع القوة الجوية وحدها إجبار حكومة معادية على الرضوخ؟ وقدمت عملية الغضب الملحمي، إحدى أكثر الحملات الجوية كثافة منذ حرب الخليج، إجابة واضحة على هذا السؤال، لتدخل مباشرة في صلب نقاش يمتد من البنتاجون إلى عواصم حلف الناتو وصولاً إلى المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي. وما كشفته الحملة ضد إيران بشأن حدود القوة الجوية بات يعيد تشكيل الطريقة التي تخطط بها الولايات المتحدة وحلفاؤها للمواجهة المقبلة.
ماذا يعلمنا التاريخ؟
من زاوية معينة، شكّلت الحرب مع إيران مختبراً لاختبار الادعاءات المبالغ فيها التي روج لها أنصار القوة الجوية منذ نشأة الطيران العسكري. وحكمي عليها واضح: لقد ثبت خطؤها.
فالادعاءات التي تقول إن القوة الجوية تمثل أداة حاسمة في الحروب كانت دائماً مبالغاً فيها، وما زالت كذلك حتى اليوم. فقد أعادت عملية الغضب الملحمي، وهي حملة اعتمدت تقريباً بالكامل على القوة الجوية، تأكيد حقيقة أن القوة الجوية لا تكسب الحروب بمفردها، فضلاً عن أنها لا تسقط الأنظمة المعادية.
والسبب بسيط: التفوق الجوي لا يعني السيطرة على الأرض. وفي النهاية، فإن السيطرة على الأرض هي التي تحدد نتيجة الصراع العسكري، لأنها تمنح القوة المسلحة القدرة على الإكراه وفرض الإرادة.
إن القتال البري هو الذي يحسم من ينتصر في الحرب. ولا شك أن القوة الجوية تمثل جزءاً لا غنى عنه من أي قوة قتالية متكاملة، لكنها لا تستطيع بمفردها فرض السيطرة على الأراضي الحيوية. فهي شرط ضروري للنصر، لكنها ليست شرطاً كافياً.
وهذا، بالمناسبة، ليس انتقاصاً من شأن القوة الجوية. فالقوة البحرية، وهي المجال الذي أنتمي إليه، تقع في الفئة نفسها. فالسفن لا تسيطر على الأراضي، وإن كان بإمكان قوات مشاة البحرية المحمولة عليها أن تفعل ذلك بعد نزولها إلى البر. ويمكن للقوة البحرية أن ترسل ما تشاء من طائرات الحاملات لقصف الأهداف البرية، أو أن تنفذ ضربات بالصواريخ أو المدفعية. لكن في القتال الساحلي، تبقى البحرية أداة تمكين لقوات المارينز والجيش التي تقاتل على اليابسة، أي إنها ذراع داعمة للحرب المشتركة متعددة الأفرع، وليست الأداة الحاسمة فيها. وفي معظم الحالات، تؤدي القوتان الجوية والبحرية دور المُمكّن وليس الحاسم في الحروب.
صحيح أن هناك استثناءات. فعلى سبيل المثال، يمكنني تصور أن تتمكن القوات الجوية والبحرية من حرمان الصين من الوصول إلى تايوان، وهو إنجاز ليس بالهين. لكن الاستثناء يؤكد القاعدة. أما الحديث عن هزيمة جيش التحرير الشعبي الصيني بأكمله، فضلاً عن إسقاط النظام الشيوعي في بكين؟ انس الأمر تماماً.
ويمكن تقييم نجاح عملية الغضب الملحمي ضد إيران من زاويتين على الأقل: قانونية واستراتيجية.
ولماذا القانونية؟ لأن الحرب على إيران كانت هجوماً على دولة ذات سيادة، مهما بلغ سوء النظام الحاكم فيها. فمنذ أكثر من قرن، صاغ عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر التعريف الكلاسيكي للسيادة، معتبراً أنها تقوم على احتكار استخدام القوة داخل حدود جغرافية معينة نطلق عليها اسم الدولة.
وقد تحدث فيبر عن الاستخدام المشروع للقوة، لكنه على الأرجح كان يقصد الاستخدام القانوني لها. ومن المؤكد أنه لم يكن ليعتبر قتل الجمهورية الإسلامية لآلاف المتظاهرين في يناير/كانون الثاني الماضي استخداماً مشروعاً للقوة، وإن كان ذلك قانونياً وفق قوانين نظام الملالي.
ولإسقاط نظام معادٍ، يجب أن يؤدي العمل العسكري إلى إنهاء احتكار ذلك النظام لاستخدام القوة، ونقل هذا الاحتكار إلى جهة أخرى أكثر قبولاً. وقد نجحت عملية الغضب الملحمي بلا شك في إضعاف القدرات العسكرية للجمهورية الإسلامية، وهي نتيجة إيجابية، لكن القوات الجوية والصاروخية لا تستطيع حكم دولة. ومع غياب أي مكون بري في العملية، كان تغيير النظام أملاً بعيد المنال منذ البداية. وحتى تحقيق نصر عسكري كامل كان من المرجح أن يظل أمراً عصياً.
التقييم الاستراتيجي
أما من الناحية الاستراتيجية، فمن المفيد التوقف عند ملاحظات اثنين من أبرز منظّري الاستراتيجية العسكرية.
فقد كتب السير جوليان كوربيت، قبل أكثر من قرن، في مؤلفه الكلاسيكي Some Principles of Maritime Strategy، أن الحروب تُحسم في نهاية المطاف على اليابسة، لأن البشر يعيشون على اليابسة لا في البحر.
«بما أن البشر يعيشون على اليابسة لا في البحر، فإن القضايا الكبرى بين الدول المتحاربة كانت تُحسم دائماً – باستثناء أندر الحالات – إما بما يستطيع جيشك أن يفعله ضد أراضي عدوك وحياته الوطنية، أو بالخوف مما يجعل الأسطول من الممكن أن يفعله جيشك.»
ولم أقتنع يوماً بجزئية «الخوف»، فالأدق هو الحديث عما يجعل الأسطول الجيش قادراً على القيام به. وبعبارة أخرى، كان كوربيت يرى أن البحرية ليست سوى ذراع مساندة لحملة مشتركة تجمع بين القوات البرية والبحرية. وكان يعتقد أن الحرب البحرية، رغم أهميتها البالغة، يصعب أن تكون حاسمة بمفردها.
«إذا عملت وحدها، فإن الضغوط البحرية لا تحقق نتائجها إلا عبر عملية استنزاف بطيئة، ومزعجة إلى حد كبير لمجتمعنا التجاري. وستظل آثارها دائماً على الدول المحايدة، بحيث يصبح الميل دائماً نحو قبول شروط سلام بعيدة عن أن تكون حاسمة.»
وبمعنى آخر، فإن هذا الأسلوب البطيء بطبيعته يميل إلى تنفير الدول التجارية الصديقة والمحايدة، كما يثير استياء الرأي العام في الداخل، مما يولد ضغوطاً لإنهاء الحرب مبكراً. فتعطيل حركة التجارة البحرية ليست سياسة يمكن تحملها طويلاً.
ويُعد الحصار الذي فرضته البحرية الأمريكية على مضيق هرمز مثالاً واضحاً على ذلك، فقد كان حصاراً فعالاً، لكنه لم يستمر بالقدر الكافي لإخضاع إيران عبر الاستنزاف التدريجي. ولذلك وافقت واشنطن في النهاية على إنهائه.
وكان كوربيت يرى أن القتال البري هو العنصر الحاسم في الاستراتيجية البحرية، لأنه وحده يتيح إمكانية تحقيق نصر سريع. وبعبارة أخرى، كان من أوائل المنادين بمفهوم العمليات المشتركة، أي فن وعلم تنسيق القوات المسلحة عبر مختلف المجالات القتالية.
وقد عاش كوربيت في بدايات عصر الطيران العسكري، لكن لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأنه كان سيطبق منطقاً مختلفاً على القوة الجوية. فصحيح أن القوات الجوية تستطيع الوصول إلى أعماق الأراضي بصورة أكبر بكثير مما كان يستطيعه الأسطول البريطاني العامل بالبخار في عصره، كما أنها قادرة اليوم على توجيه ضربات دقيقة إلى عدد كبير من الأهداف، وقد أكدت عملية الغضب الملحمي هذه الحقيقة. لكن، رغم ذلك، فإن القوات الجوية لا تسيطر على الأرض، تماماً كما لم يكن الأسطول الملكي البريطاني يسيطر عليها. فالضربات الجوية تأتي ثم تنتهي، أما السيطرة فلا تتحقق بذلك.
ولو شهد كوربيت نتائج عملية الغضب الملحمي، لهز رأسه موافقاً على أنها انتهت إلى نتائج غير حاسمة.
وهنا نصل إلى الأميرال جي سي وايلي...
كان وايلي من قدامى المحاربين في الحرب العالمية الثانية، وقائداً بحرياً، وعضواً في هيئة التدريس بالكلية الحربية البحرية الأمريكية، وقد ألّف رسالة قصيرة بعنوان Military Strategy: A General Theory of Power Control، تعد من أكثر ما كُتب عمقاً في الفكر الاستراتيجي.
وفي الكلية الحربية البحرية في نيوبورت، تُدرّس ست صفحات فقط من هذا الكتاب، ومع ذلك لا يكاد يخلو اقتباس لأي طالب منها، لما تتمتع به من قوة وتأثير. ويتبنى وايلي أحياناً أفكاراً قريبة من كوربيت، لكنه يذهب أبعد منه فيما يتعلق بالحرب المشتركة. فهو يرى أن الغاية الأساسية للاستراتيجية العسكرية هي السيطرة، ويقصد بذلك السيطرة على الأراضي أو المواقع الحيوية على اليابسة.
ويضرب وايلي مثالاً بليغاً، فيقول إن الاستراتيجي، إذا أراد إرغام خصم يرفض الانصياع، فإنه: «يجب أن يفرض، أو أن يجعل من المحتوم، وجود رجل يحمل بندقية في موقع الحدث. وهذا الرجل هو الجندي.»
ويضيف أن هذا الجندي ينبغي أن يكون موجوداً بالفعل في الميدان، أو على الأقل أن يكون من الواضح أنه قادر على الوصول إليه واستخدام القوة باعتباره الحكم النهائي.
أي أن الجندي يجب أن يكون موجوداً فعلياً، أو أن يقتنع قادة العدو بأن وجوده بات أمراً لا مفر منه إذا رفضوا الانصياع.
ويخلص وايلي إلى العبارة الأشهر في كتابه: «العامل الحاسم النهائي في الحرب هو الرجل الموجود في الميدان ويحمل بندقية. فهذا الرجل هو القوة النهائية في الحرب. إنه السيطرة، وهو الذي يحدد من ينتصر.»
أما الطيارون والبحارة، فوظيفتهم الأساسية هي تمكين ذلك الجندي الذي يسير على الأرض حاملاً سلاحه.
العمليات التراكمية والعمليات المتتابعة
ويشرح وايلي بإسهاب أوجه القوة والقصور في القوتين الجوية والبحرية.
فهو يرى أن كليهما يعتمد على عمليات تراكمية، أي أسلوب يقوم على تنفيذ عدد كبير من الضربات المتفرقة. أما لتحقيق النصر، أي على اليابسة، فلا بد من تنفيذ عمليات متتابعة تقود تدريجياً إلى الهدف النهائي. وبعبارة أخرى، تنفذ القوة العسكرية سلسلة متصلة من العمليات التكتيكية، بحيث تمهد كل عملية لما يليها حتى بلوغ الهدف النهائي. وإذا رُسمت هذه العمليات على الخريطة، فإنها تبدو كخطوط أو مسارات متصلة. وكانت الهجمات الأمريكية العابرة للمحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية المثال النموذجي لهذا النوع من الحملات، إذ هدفت إلى تفكيك الإمبراطورية اليابانية خطوة بعد أخرى. أما القوة الجوية والقوة البحرية فلهما طبيعة مختلفة.
فالعمليات التراكمية لا تسير على شكل مسار متصل، وإنما تتكون من عدد كبير من العمليات التكتيكية الصغيرة المنتشرة في أنحاء مختلفة، من دون ارتباط مباشر زمانياً أو مكانياً. وإذا رُسمت على الخريطة، فإنها تبدو كأنها بقع متناثرة من الطلاء. ولا يكون لأي عملية منفردة تأثير حاسم، لكن مجموعها يؤدي تدريجياً إلى إنهاك الخصم.
وكانت حملة الغواصات الأمريكية في المحيط الهادئ مثالاً على العمليات التراكمية، وكذلك حملة القصف الاستراتيجي لليابان. لقد كانت عمليات لا غنى عنها، لكنها لم تكن حاسمة بمفردها. ويؤكد وايلي أن العمليات التراكمية تصنع الفارق في الصراعات المتكافئة، وأنها تمهد الطريق لنجاح العمليات المتتابعة، لكنه يرفض الاعتقاد بأنها تحسم الحروب وحدها.
وهذا تحديداً ما كشفت عنه عملية الغضب الملحمي، إذ استخدمت أدوات التمكين الجوية والبحرية من دون وجود مكون بري حقيقي قادر على تحقيق النصر.
= = لا يوجد جندي في الميدان يحمل بندقية = لا توجد سيطرة. وفي أفضل الأحوال، لا يتحقق سوى نصر غير مكتمل.
ويتناول الأميرال وايلي أيضاً سبب الصعوبة التي تكتنف النقاشات المتعلقة بالعمليات المشتركة، والتي كثيراً ما تعرقل التفكير الاستراتيجي المبتكر. ويخلص إلى أن أفرع القوات المسلحة تنطلق من افتراضات مختلفة جذرياً عند مناقشة الاستراتيجية.
فهو يفترض أن المجال المادي الذي تعمل فيه كل قوة يشكل طريقة تفكير أفرادها في الاستراتيجية والعمليات والتكتيكات، ويحدد ما يعتبرونه حقائق بديهية. وبحكم التعريف، فمن الصعب إقناع الناس بالتخلي عما يعدونه بديهياً.
وهنا تكمن النقطة الأهم فيما يتعلق بعملية الغضب الملحمي، إذ يؤكد وايلي أن الطيارين يفترضون أن القدرة على إلحاق الدمار بالعدو من الجو تعادل السيطرة، وبالتالي تعادل النجاح الاستراتيجي العسكري.
لقد أحدثت عملية الغضب الملحمي دماراً واسعاً من الجو، لكنها لم تستطع فرض السيطرة. ولذلك بقيت الجمهورية الإسلامية قائمة، وإن كانت قد خرجت من الحرب وهي أضعف بكثير.
ولا شك أن وايلي كان سيضم الطيران البحري إلى تحليله اللاذع لافتراضات رجال القوة الجوية، وليس القوات الجوية البرية وحدها. لكنه يرى في الوقت نفسه أن هناك فرقاً بينهما. فطيران البحرية الأمريكية هو في الأساس قوة مقاتلة، ولا يمتلك قاذفات استراتيجية، إذ لا تستطيع حمل قاذفة استراتيجية ضخمة على متن حاملة طائرات. ولذلك ينصب اهتمام الطيارين البحريين الأمريكيين أساساً على هزيمة الطائرات المعادية، وتقديم الدعم للقوات العاملة على سطح البحر، سواء للأسطول أو للقوات البرمائية المنتشرة في المناطق الساحلية. ومن ثم، فإن افتراضاتهم تختلف إلى حد ما عن افتراضات أنصار القصف الاستراتيجي.
وباختصار، يرفض وايلي فكرة أن الدمار الذي تُحدثه القوة الجوية يعني السيطرة. فالقوات الجوية تأتي، وتلقي ذخائرها، ثم تغادر؛ أما القوات البرية، أي الجندي الموجود في الميدان ويحمل بندقية، فإنه يأتي ويبقى. وهكذا، فهذا هو رأي بعض كبار منظري الاستراتيجية العسكرية. فلم يكن أي من ماكس فيبر أو جوليان كوربيت أو جي سي وايلي ليفاجأ بالنتيجة التي انتهت إليها الحرب في منطقة الخليج...
