نحو الإمبريالية: هل يعيد ترامب تشكيل العالم؟

    يوسف لطفي
    السبت 11 أكتوبر 2025
    نحو الإمبريالية: هل يعيد ترامب تشكيل العالم؟

    الترامبية والانعزالية الجديدة: إعادة تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية

    بعد الحرب العالمية الأولى، والتي عملت كأساس نظري لمعاهدة فيرساي ومشروع عصبة الأمم، ثم الليبرالية العالمية التي شكلت النظام الدولي المعاصر في مراحل لاحقة. لكن وللمفارقة فإنَّ الولايات المتحدة لم تكن عضوا في المجلس التنفيذي لعصبة الأمم بعد اعتراض الحزب الجمهوري بمجلس الشيوخ على معاهدة فيرساي عام 1919.

    الجذور التاريخية للانعزالية الأمريكية

    ظهرت الخلافات بين ويلسون وكتلة الجمهوريين بقيادة السيناتور "هنري كابوت لودج" حول دور الولايات المتحدة على المسرح الدولي عقب انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى بدعم من الولايات المتحدة. وعلى الرغم من تأييد الجمهوريين لتدخل بلادهم في الحرب فإنَّهم اصطدموا بويلسون فيما يخص حدود الدور والالتزام الأمريكي دوليًّا، وهو ما عبر عنه الحزب الجمهوري لاحقًا في بيان عام 1920 بجملة "إنَّ الحزب الجمهوري يؤيد الاتفاق بين الأمم للحفاظ على السلام في العالم.. وإنَّنا نعتقد أنَّ كل هذا يمكن القيام به دون المساس باستقلال وسيادة شعب الولايات المتحدة، ودون إقحام الولايات المتحدة كطرف مشارك -لا وسيط سلام- في نزاعات لا نستطيع الحكم على جدواها".

    ضمن الحجج التي ساقها لودج في رفضه للويلسونية برز تضارب "المصلحة الدولية" الملتزمة بفلسفة النظام الدولي الليبرالي مع المصلحة القومية الأمريكية، وضرب مثالًا بدور عصبة الأمم في قضايا مركزية مثل الهجرة، وتساءل السيناتور الممثل عن ولاية ماساشوستس "هل نحن مستعدون لمنح دول أخرى سلطة تحديد من يأتي إلى الولايات المتحدة ويصبح مواطنًا؟" وحذر قائلًا "إذا فعلنا هذا، فيجب أن نستعد للتخلي عن أغلى حقوق السيادة".

    اتجاهات السياسة الخارجية الأمريكية

    تتراوح أيدولوجيا السياسة الخارجية ومواقف الإدارات الأمريكية المختلفة في المجال الدولي بين تصنيفين أساسيين -لغرض التبسيط- هما الانعزالية Isolationism والعالمية Internationalism مع وجود مصطلحات وتوصيفات أخرى تحمل معاني مشابهة مثل: الصقور والحمائم، المحافظين الجدد والليبراليين، وذلك في سياق فهم تصورات السياسة الخارجية للنخب الأمريكية.

    لتفكيك المصطلحات المذكورة آنفًا يمكن القول إنَّ الاتجاهات الأمريكية الخارجية تنقسم بين مدرستين:

    • الانعزالية: تؤمن بالمقاربة الأحادية التي تقوم على تحقيق المصلحة الأمريكية الاستراتيجية على أساس اعتبارات قومية محضة
    • العالمية: تؤمن بمقاربة شاملة تبني سياساتها ومواقفها على أساس العلاقة مع الحلفاء الدوليين، وضرورة صياغة بيئة دولية متناغمة أيدولوجيًّا

    نظام عالمي مأزوم

    يمكن القول إنَّ النظام الدولي المعاصر قام على ركيزتين أساسيتين: وحدات سياسية تجسدها الدولة الوطنية الحديثة، وترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية وقانونية، تجسدها الاتفاقيات والمواثيق والمؤسسات الدولية. ورغم تماسك هذه الهياكل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فإنَّ التحولات الكبرى التي شهدها المسرح الجيوسياسي الدولي على مر ثمانين عامًا تقريبًا، ساهمت في تفريغ هذا النظام من محتواه وانحسار شرعيته.

    مثلت القضية الفلسطينية خلال هذه الحقبة الصدع الأكبر في فلسفة النظام الدولي، وقد أدت الرعاية الأمريكية للمشروع الصهيوني والتماهي مع سياسات تحالفات اليمين التي هيمنت على الحكم 13 عامًا من أصل 19 عامًا خلال الفترة الممتدة من 1986-2005 (فترة الانتفاضة الأولى والثانية)، وتحول معاهدة أوسلو الموقعة في حديقة البيت الأبيض في سبتمبر 1993 إلى وثيقة ارتهان فلسطيني لدولة الاحتلال وغطاء لتمدد الاستيطان ومشروع التهويد.

    "الترامبيزم": فهم ظاهرة ترامب

    يمثل "دونالد ترامب" حالة استثنائية في التاريخ السياسي الأمريكي وذلك على عدة مستويات؛ فعلى المستوى الشخصي يمثل خطاب ترامب الشعبوي، العدائي، والبعيد عن الدبلوماسية والطرح المعمق نمطًا غريبًا عن أنماط الخطاب السياسي التقليدي. جزء من هذا الخطاب تفسره شخصية ترامب الفظة، في حين تفسر "اللحظة السياسية" بقية أجزائه حيث أدرك ترامب مبكرًا مدى رواج هذا الخطاب الذي مس غضب كامن لدى شرائح واسعة من الأمريكيين.

    استثنائية ترامب لها وجه آخر يطل على السياسة الخارجية، حيث لا يتحرك الرجل البرتقالي -كما يصفه الإعلام الساخر- وفق منهجية منضبطة بقراءات أو توصيات مؤسسة السياسة الخارجية (إدارات ومستشاري وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، مراكز البحث والتفكير، خبراء الاستراتيجية والعلاقات الدولية)، ولكن وفق قناعات إجمالية مسبقة، فالمحرك الأساسي لمواقف ترامب هو التوجس من الخارج وازدراءه.

    ورغم أنَّ النزعة الانعزالية التي يمثلها ترامب أخذت في التاريخ القريب مسار أكثر عقلانية ومنهجية، حيث تبنى الحزب الجمهوري منذ خمسينيات القرن الماضي مواقف أكثر انفتاحًا حول قضايا الهجرة والتجارة الحرة والتدخلات والتحالفات الخارجية، فإنَّ ترامب نجح في قراءة الاتجاهات الشعبية المختمرة والتقاط اللحظة ليقود الحزب لأقصى اليمين.

    العالم في مهب الترامبية

    تاريخيًّا كان لطبيعة شخصية رئيس الولايات المتحدة أثر على المقاربة الدولية أو الخارجية، لكن في جوهرها لم تتباين الاستراتيجيات الخارجية تجاه القضايا المركزية بشكل كبير، حيث كان حضور "المؤسسة" على المستوى الاستراتيجي ضابطًا دومًا للاختلافات بين تصورات الإدارات المتعاقبة.

    في محاولة قراءة أو استشراف السياسة الخارجية لترامب، قد يكون من المفيد تغليب تكوينه الشخصي وتاريخه المهني على أي اعتبارات موضوعية أخرى، فالبراغماتية العالية، الأطماع الشخصية، التشبع بالاستحقاق الأمريكي، وغياب الرؤية الأيدولوجية أو التاريخية لقضايا السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، هي المحدد الأساسي لمواقف ترامب.

    يمثل ملف التجارة والاقتصاد ركيزة أساسية في رؤية ترامب، ما يعني أنَّه سيكون معني بالمواجهة التجارية مع الصين ومعالجة قضايا التضخم وعجز الميزان التجاري وتقليل الالتزامات الأمريكية المالية وخفض أسعار النفط وإعادة تدوير عوائد نفط الخليج في الاقتصاد الأمريكي.

    تشكل هذه المقاربة البراغماتية بأهدافها المركزية الواضحة فرصة حتى للقوى الإقليمية المهددة بصعود ترامب، فطهران في نظره قد تكون ورقة رابحة لتعظيم المكاسب المحصلة من الخليج، ولو لعبت أوراقها بشكل صحيح فإنَّ الفرصة قد تتاح لها لتلعب دورًا أكبر في ظل العزوف الأمريكي عن التورط في الصراع الجاري.

    خاتمة

    على نطاق أوسع فإنَّ أثر الترامبية على استقرار النظام الدولي المعاصر لا شك ستكون سلبية وأنَّ دور الولايات المتحدة خلال ولايته سيتجه نحو الإمبريالية، في المقابل فإنَّ ما يكشفه النمط الذي يتبعه ترامب هو أنَّ رئاسته تمثل تهديدًا وفرصة في آن واحد، وأنَّ صعوده على علاته قد يدفع باتجاه ترسيخ حالة لامركزية، وبالتالي مساحة أكبر للفعل والتأثير.

    هوامش

    [1] VERLAN LEWIS, The President and the Parties’ Ideologies: Party Ideas about Foreign Policy Since 1900

    [2] congress.gov, S.1322 - Jerusalem Embassy Act of 1995

    [3] By David D. Kirkpatrick, The White House Blessed a War in Libya, but Russia Won It, The New York Times

    يوسف لطفي

    0
    العلامات:
    مراجعات
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *