أمن قومي

    انعكاسات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران على تركيا

    عمر أوزدمير
    عمر أوزدمير
    الإثنين 23 مارس 2026
    انعكاسات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران على تركيا

    انعكاسات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران على تركيا
    عمر أوزدمير

    بدأت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في الأيام الأخيرة من فبراير، وما قابلها من استراتيجية إيرانية تقوم على إقليمية الصراع لبناء الردع، تؤثر بشكل مباشر على تركيا أيضًا. ومنذ اليوم الأول لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار مسؤولي النظام، تتابع تركيا التطورات عن كثب، وتبعث برسائل بناءة تدعو إلى إنهاء الصراع سريعًا ومنع اندلاع حرب كبرى على حدودها.

    على مستوى الخطاب، لم تنحز أنقرة لأي طرف، لكنها أكدت بوضوح على احترام سيادة جميع الدول المعنية أو المستهدفة في المنطقة، وعلى رأسها إيران. وقبيل اندلاع الحرب، أجرت تركيا، مثلها مثل السعودية وقطر، اتصالات مكثفة مع الولايات المتحدة وإيران في محاولة لمنع تحول التوتر إلى مواجهة عسكرية، إلا أن هذه الجهود لم تُثمر. كما يمكن القول إن إيران تعاملت بقدر من التحفظ مع محاولات الوساطة التركية.

    ومع تسارع تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية، وبدء استهداف دول الخليج، شهدت أسواق الطاقة العالمية تقلبات، وهو ما شكّل تطورًا غير مرغوب فيه بالنسبة لأنقرة التي جعلت مكافحة التضخم أولوية رئيسية. كما دخلت تركيا حالة تأهب بسبب المخاوف من تداعيات الصراع على حدودها، مثل موجات الهجرة، وفتح المجال أمام الجماعات الإرهابية، والخسائر الاقتصادية.

    غير أن العامل الأهم الذي أدى إلى تصاعد قلق تركيا وتغير لهجتها كان دخول ثلاثة صواريخ باليستية أُطلقت من إيران في أيام مختلفة إلى المجال الجوي التركي، حيث تم إسقاطها بواسطة أنظمة الدفاع الجوي التابعة لحلف الناتو.

    وقد تم اعتراض هذه الصواريخ، التي يُعتقد أنها كانت تستهدف قواعد الناتو في تركيا – إنجرليك في أضنة، وكورجيك في ملاطية - دون وقوع خسائر بشرية أو مادية. وخلال هذه المرحلة، بدأ الرأي العام التركي والمسؤولون يتبنون خطابًا أكثر حدة تدريجيًا. ففي البداية، ساد خطاب أكثر اعتدالًا بسبب عدم وضوح ما إذا كانت تركيا هي الهدف، مع تداول سيناريوهات تتحدث عن احتمال تورط عناصر أمريكية أو إسرائيلية مخترقة لسلسلة القيادة الإيرانية.

    لكن بعد الحادثة الثانية، تصاعدت حدة الموقف التركي. فقد أجرى الرئيس أردوغان اتصالًا بنظيره الإيراني بزشكيان، مؤكدًا أنه تم تحذير طهران من الصواريخ التي دخلت المجال الجوي التركي، ومشددًا على أنه "لا ينبغي اتخاذ خطوات خاطئة واستفزازية قد تعرض صداقة تركيا للخطر". من جانبه، نفى بزشكيان أن تكون الصواريخ قد أُطلقت من إيران. لكن أردوغان أكد في منشور على منصة "إكس" أن هذه الأفعال الاستفزازية مستمرة رغم التحذيرات، في إشارة واضحة لتحميل إيران المسؤولية.

    كما شدد زعيم حزب الحركة القومية، شريك الائتلاف الحاكم، دولت بهجلي، على أن اعتذارات إيران لا تكفي، خاصة بعد حادثة 9 مارس، حين تم إسقاط صاروخ جديد، وسقطت أجزاء منه في مناطق فارغة في غازي عنتاب. وأكد أن على إيران توضيح ما إذا كانت هذه الأفعال استفزازًا متعمدًا أم لا، مشددًا على أن تركيا ليست دولة يمكن العبث معها.

    وفي أول رسالة له، أعلن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي أن القواعد الأمريكية في الدول المجاورة ستظل أهدافًا. وبعد ذلك بفترة قصيرة، ردت وزارة الدفاع التركية عبر منصة إكس بالقول: إنجرليك قاعدة تركية!، في رسالة تعكس مطالبة أنقرة لإيران باحترام سيادتها. لكن إيران تجاهلت ذلك، ونفذت هجومًا صاروخيًا جديدًا استهدف إنجرليك.

    ورغم نفي إيران مسؤوليتها في اتصالاتها مع أنقرة، أصبحت تركيا مقتنعة بأن مصدر الصواريخ هو إيران. وأكد وزير الخارجية هاكان فيدان، في تصريح لوكالة أسوشيتد برس، أن البيانات المتوفرة تثبت أن الصواريخ أُطلقت من إيران، مشددًا في الوقت نفسه على أن تركيا لا ترغب في الرد عسكريًا رغم الاستفزازات، وأن هدفها هو البقاء خارج الحرب.

    إلى جانب التهديدات الجوية، تتابع أنقرة أيضًا سيناريوهات حدوث تدخل بري في إيران، وما قد يترتب عليه من حركات انفصالية. وقد أثارت تقارير إعلامية أمريكية في الأسبوع الأول من الحرب حول احتمال استخدام ميليشيات كردية داخل إيران، رد فعل قوي من تركيا. وأكد فيدان أن بلاده تعارض بشدة أي خطط لإشعال حرب أهلية في إيران أو استغلال الانقسامات العرقية والدينية، وأنها لن تسمح بحدوث ذلك.

    وحتى منتصف مارس، يبدو أن احتمال تدخل بري أمريكي أو دعم واسع لميليشيات انفصالية لا يزال محدودًا. ومع ذلك، تركز تركيا على منع أي سيناريو من هذا النوع قبل التوصل إلى وقف إطلاق نار، وتكثف اتصالاتها مع القوى السياسية الكردية في العراق.

    كما تخشى تركيا من موجة لجوء جديدة، كما حدث في العراق في التسعينيات وسوريا بعد 2010. فحجم سكان إيران الكبير وحدودها المشتركة مع تركيا يثيران مخاوف من تدفق اللاجئين. وقد تحدثت تقارير إعلامية، عن احتمال إقامة منطقة عازلة داخل إيران، رغم نفي أنقرة لذلك. ومع ذلك، قد تكون هذه التسريبات تهدف إلى إيصال رسالة حول حساسية تركيا تجاه ملف الهجرة. ومع أن الحدود التركية الإيرانية أكثر وعورة من الحدود مع سوريا، ما يجعلها أكثر قابلية للضبط، فإن تركيا تواصل تعزيز أمنها الحدودي بالتوازي مع جهودها الدبلوماسية لإنهاء الحرب.

    في المحصلة، تحاول تركيا، رغم الاستفزازات، تجنب الانخراط المباشر في الصراع. فهي ترى أن هجمات إيران على الخليج، وكذلك الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، تمثل جميعها عوامل زعزعة للاستقرار. وتسعى أنقرة إلى وقف إطلاق النار سريعًا، نظرًا لما قد يترتب على استمرار الحرب من تداعيات اقتصادية وعسكرية وديموغرافية.

    كما تنظر تركيا بقلق إلى محاولات إيران توسيع الصراع إقليميًا، وكذلك إلى التحركات الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا، بما في ذلك احتمالات التوسع في لبنان، وترى في ذلك تهديدًا لتوازن القوى ونفوذها الإقليمي. ولذلك، فإن إنهاء الحرب في أقرب وقت يُعد ضرورة استراتيجية لأنقرة، خاصة أن دول الخليج المتضررة حاليًا ستلعب دورًا مهمًا في أي توازن إقليمي مستقبلي.

    عمر أوزدمير

    عمر أوزدمير

    حاصل على دكتوراه وخبير في شؤون الشام بمركز أورسام.

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *