العاصمة الإدارية الجديدة: بين اعتبارات الأمن وحسابات الدفاع الاستراتيجي

    عبد الرحمن محمد
    الإثنين 26 أكتوبر 2026
    العاصمة الإدارية الجديدة: بين اعتبارات الأمن وحسابات الدفاع الاستراتيجي

    في الرابع من يوليو الماضي، وخلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، كشف الرئيس المصري السيسي سبب بناء عاصمة جديدة، قائلاً: "من المهم أن نتذكر أحداث 2011... لماذا القيادة الاستراتيجية للدولة موجودة هنا؟ لأنه في يوم من الأيام كان يتم محاصرة المحكمة الدستورية ومجلس الوزراء ووزارة الدفاع، بهدف الضغط على متخذ القرار، كان لا بد أن تخرج الدولة من العاصمة وألا يحدث ذلك مرة أخرى".

    ويكشف هذا التصريح عن حضور الاعتبارات الأمنية الداخلية في قرار نقل مقار الحكم إلى مدينة جديدة بعيدًا عن التجمعات السكانية الكثيفة في القاهرة، بما يقلل احتمالات تعرض مؤسسات الدولة للحصار أو الضغط الشعبي. لكن إذا كانت أحداث عام 2011 قد شكلت أحد دوافع المضي في المشروع، فما موقع الاعتبارات العسكرية المرتبطة بالأمن القومي في اختيار موقع العاصمة؟ وهل أُخذ احتمال نشوء تهديد إسرائيلي مستقبلًا في الحسبان؟

    عمران لوأد التمرد

    يشير التخطيط العمراني للعاصمة الجديدة إلى الاهتمام بالاعتبارات الأمنية، إذ تتميز بشوارع واسعة يصل عرض بعضها إلى 120 مترًا، مع مسافات كبيرة بين المباني، وهي خصائص تسهّل حركة القوات وانتشارها، وتحد من إمكانية إغلاق الطرق أو إقامة الحواجز خلال الاحتجاجات. وتدعم ذلك منظومة مراقبة ضخمة تضم نحو ستة آلاف كاميرا، مع إمكانية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعرف على الوجوه.

    وإلى جانب هذه الخصائص العمرانية والتقنية، يحد انخفاض عدد السكان من فرص تشكل حشود احتجاجية كبيرة داخل المدينة، إذ لم يتجاوز عدد المقيمين فيها 25 ألف نسمة حتى عام 2025. وحتى مع تزايد السكان مستقبلًا، فإن ارتفاع تكاليف السكن قد يجعل الإقامة فيها مقتصرة بدرجة كبيرة على الفئات الأعلى دخلًا والمرتبطة بمؤسسات الدولة وقطاعات الأعمال. وفي هذا السياق، خلص تقرير نشره مركز كارنيغي إلى أن العاصمة الجديدة قد تصبح حكرًا على النخب المصرية.

    ولا تُعد العلاقة بين التخطيط العمراني وكبح الاحتجاجات ظاهرة جديدة، فقد شهد التاريخ إعادة بناء مدن وأحياء كاملة لتسهيل حركة القوات وتعزيز قدرة السلطات على السيطرة، كما حدث في باريس خلال القرن التاسع عشر، وفي بعض الأحياء الجزائرية خلال الاستعمار الفرنسي. وفي مثال معاصر، أثار تخطيط عاصمة ميانمار الجديدة، نايبيداو، اهتمام الباحثين بسبب شوارعها الواسعة وتباعد منشآتها الحكومية، إلى درجة أن أحد الصحفيين وصفها بأنها نموذج لتخطيط عمراني يهدف إلى إخماد أي ثورة محتملة من خلال الهندسة ورسم الخرائط قبل الدبابات وخراطيم المياه.

    وتتقاطع هذه الأمثلة مع ما أورده المؤرخ أرنولد توينبي في وصفه للعواصم بأنها "براميل بارود"، نظرًا إلى ما تمثله من مراكز لتجمع السكان والسلطة، وما قد ينشأ فيها من حركات احتجاجية تهدد الأنظمة الحاكمة. ومن هذا المنطلق، تناول الباحثان كارل كنوتسن ومورغنبسر نقل العواصم بوصفه قرارًا يرتبط بحسابات بقاء الأنظمة وأمنها، معتبرين أن العواصم الجديدة قد تمثل "ساحات معارك" يختار القادة مواقعها بما يخدم قدرتهم على مواجهة التهديدات.

    وفي دراسة نشراها عام 2024 بدورية "الجغرافيا السياسية"، بعنوان "في طور التغيير: القادة المستبدون، والأمن، ونقل العواصم"، حلل الباحثان بيانات 87 عملية لنقل العواصم في عينة شملت 202 دولة، وخلصا إلى أن دوافع الحكام المستبدين لنقل عواصمهم تتعزز عندما تصبح أنظمتهم أكثر عرضة لخطر الإطاحة بها. وحددت الدراسة 3 تهديدات رئيسية تؤثر في هذه الحسابات، هي الانقلابات العسكرية، والثورات الشعبية، والغزو الخارجي.

    وتوفر هذه الدراسة إطارًا لفهم قرار نقل العاصمة المصرية؛ إذ تشير تصريحات السيسي وخصائص المدينة الجديدة إلى اهتمام بتقليل مخاطر الاضطرابات الداخلية وحماية مؤسسات الحكم. غير أن ذلك يثير تساؤلًا آخر يتعلق بالتهديد الثالث الذي حددته الدراسة، وهو الغزو الخارجي، ومدى حضوره في الحسابات الاستراتيجية التي حكمت اختيار موقع العاصمة.

    تهديد من وراء الحدود

    تكتسب العواصم أهمية عسكرية تتجاوز رمزيتها السياسية، لكونها تضم مؤسسات الحكم ومراكز القيادة وصنع القرار. وقد عدّ المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز الاستيلاء على عاصمة العدو أحد الأهداف التي قد تسهم في إخضاعه، خصوصًا عندما تكون العاصمة مركزًا لقوة الدولة وتجمعاتها الرئيسية. وفي ذات السياق، يشير معهد الحرب الحديثة التابع لأكاديمية ويست بوينت إلى أن المعارك على العواصم قد تشكل لحظات حاسمة في الحروب، وربما ينهي سقوطها الحرب في غضون أيام أو أسابيع.

    ومن ثم، لا ينفصل اختيار موقع العاصمة عن تقدير التهديدات الخارجية المحتملة، خصوصًا عندما تكون الدولة على حدود مشتركة مع دولة شهدت معها حروبًا سابقة. وقد أشار كنوتسن ومورغنبسر إلى أهمية الموقع الجغرافي للعاصمة في حالات العداء بين الدول المتجاورة، باعتباره أحد العوامل التي تدخل في حسابات الأمن وبقاء النظام.

    وفي الحالة المصرية، تقع العاصمة الجديدة على مسافة نحو 60 كيلومترًا شرق القاهرة، أي في اتجاه سيناء والحدود مع فلسطين المحتلة. وإذا ما قورنت بخطوط التقدم الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، فإنها تقع على مسافة تقارب 40 كيلومترًا من أبعد نقطة بلغتها القوات الإسرائيلية غرب قناة السويس. وبذلك فإن نقل العاصمة شرقًا قرّب بعض أهم مؤسسات الحكم والقيادة المصرية من مناطق شهدت عمليات عسكرية إسرائيلية خلال الحرب.

    وتبرز أهمية هذه المسألة عند مقارنتها بتجارب دول أخرى أخذت الاعتبارات الجغرافية والأمنية في الحسبان عند نقل عواصمها. فقد نقلت تركيا عاصمتها من إسطنبول إلى أنقرة، في موقع أبعد عن التهديدات الخارجية التي واجهتها الدولة العثمانية في سنواتها الأخيرة. كما نقلت كازاخستان عاصمتها من ألماتي، القريبة من الحدود الصينية، إلى أستانا، رغم أنها لم تخض مع الصين حروبًا مماثلة للحروب المصرية الإسرائيلية. وتوضح هذه الأمثلة أن اختيار موقع العاصمة يتأثر بالتهديدات المستقبلية، حتى في غياب مواجهة عسكرية وشيكة.

    وصحيح أن العلاقات المصرية الإسرائيلية تحكمها معاهدة سلام منذ عام 1979، وأن التعاون الأمني بين البلدين شهد تطورًا خلال السنوات الماضية، وهو ما قد يفسر عدم التعامل مع إسرائيل بوصفها تهديدًا عسكريًا في الوقت الراهن. لكن التخطيط الاستراتيجي طويل المدى لا يقتصر على تقدير طبيعة العلاقات القائمة، وإنما يشمل أيضًا احتمالات تغيرها مستقبلًا.

    وتبرز هنا مفارقة تستحق التأمل، إذ تواصل مراكز الدراسات الإسرائيلية وبعض المسؤولين التحذير من تطور القدرات العسكرية المصرية، واحتمال تغير طبيعة العلاقات بين البلدين، انطلاقًا من أن استمرار السلام حاليًا لا يضمن بقاء الأوضاع على حالها مستقبلًا، وأنه يجب الاستعداد لكل السيناريوهات. وقد ظهرت هذه المخاوف كذلك في تحليلات غربية تناولت احتمالات تدهور العلاقات المصرية الإسرائيلية، وما قد يترتب عليها من تداعيات أمنية.

    وفي المقابل، لا تكشف التصريحات الرسمية المصرية المتعلقة ببناء العاصمة الجديدة عن الوزن الذي مُنح لاحتمال تجدد التهديد الإسرائيلي عند اختيار موقعها. ولا يكفي ذلك للجزم بأن الاعتبارات العسكرية الخارجية قد أُهملت، لكنه يطرح تساؤلًا حول مدى الموازنة بين متطلبات حماية مؤسسات الحكم من الاضطرابات الداخلية ومتطلبات حمايتها من تهديدات عسكرية خارجية.

    وتزداد أهمية هذا التساؤل بالنظر إلى أن نقل العاصمة هو اختيار استراتيجي يمتد أثره لعقود وربما قرون. ولذلك، فإن تقييم موقعها ينبغي أن يستند إلى مختلف السيناريوهات التي قد تواجهها الدولة على المدى الطويل، بما فيها السيناريوهات التي تبدو مستبعدة في الوقت الحاضر.

    فقدان مزايا المدينة العملاقة

    تُصنّف القاهرة ضمن فئة المدن العملاقة، التي يزيد عدد سكان مناطقها الحضرية على عشرة ملايين نسمة. وتوفر هذه الكثافة السكانية، وما يصاحبها من امتداد عمراني وتشابك في البنية التحتية، تحديات كبيرة لأي قوة عسكرية تحاول السيطرة على المدينة. فقد خلصت دراسة لمجموعة الدراسات الاستراتيجية التابعة لرئيس أركان الجيش الأمريكي إلى أن المدن العملاقة تمثل بيئة عمليات تختلف عن ساحات القتال التقليدية، إذ إن محاولة فرض السيطرة على ملايين السكان المنتشرين عبر مساحات شاسعة تتطلب قوات ضخمة قد تتجاوز النسب المعتمدة في العقائد العسكرية، فضلًا عن التعقيدات المرتبطة بالإمداد والتنقل والمناورة.

    ولتوضيح حجم هذه التحديات، يوصي دليل الجيش الأمريكي لمكافحة التمرد بنسبة استرشادية تتراوح بين 20 و25 عنصرًا أمنيًا لكل ألف نسمة في منطقة العمليات. وبتطبيق هذه النسبة حسابيًا على منطقة حضرية بحجم القاهرة الكبرى، التي يقترب عدد سكانها من 25 مليون نسمة، فإن فرض السيطرة وفق هذا المعيار قد يتطلب ما بين 500 و625 ألف عنصر. ورغم أن هذه النسبة وُضعت لعمليات مكافحة التمرد، ولا يمكن اعتمادها تقديرًا للقوات اللازمة للسيطرة على القاهرة، فإنها توضح حجم الموارد البشرية التي قد تتطلبها السيطرة على مدينة بهذا الحجم.

    وفي المقابل، لا تتمتع العاصمة الإدارية الجديدة بالمزايا الدفاعية التي توفرها الكثافة السكانية والامتدادات العمرانية المتصلة في القاهرة. فإلى جانب محدودية عدد سكانها، يُرجح أن تضم نسبة كبيرة من الفئات الأعلى دخلًا، التي قد تمتلك بدائل سكنية خارج المدينة، بما قد يسهل إخلاءها في حال تعرضها لتهديد. لكن الأهم أن افتقار المدينة إلى قاعدة سكانية كبيرة يحرمها من أحد عناصر المقاومة المجتمعية التي يمكن أن تسهم في إسناد القوات النظامية أثناء الدفاع عن المدن.

    وتبرز أهمية هذا العامل في تجربة الدفاع عن العاصمة الأوكرانية كييف خلال الغزو الروسي عام 2022. فقد خلصت دراسة لمعهد الحرب الحديثة إلى أن مشاركة المدنيين كانت عنصرًا مهمًا في إفشال الهجوم الروسي، معتبرة أنه من المرجح جدًا أن كييف كانت ستسقط لولا المتطوعين المدنيين. فقد انخرط عشرات الآلاف في دعم المجهود الحربي، بينما كانت القوات النظامية المتاحة للدفاع عن العاصمة محدودة في المراحل الأولى من الهجوم، وتُقدر بخمسة آلاف جندي. وتوضح هذه التجربة أن السكان لا يمثلون مجرد عبء لوجستي على القوات المهاجمة، وقد يتحولون إلى مصدر قوة للمدافعين، من خلال توفير المعلومات والدعم والإسناد والمشاركة في القتال.

    السادات والعمق الاستراتيجي

    تمتد أهمية موقع العاصمة إلى موقعها ضمن العمق الاستراتيجي للدولة. وقد عرّف دانيال مكول، العميد السابق في كلية الأركان الأمريكية المشتركة، العمق الاستراتيجي بأنه "المسافة المكانية والزمنية والإدراكية التي تتيح للأمة أو للقائد العسكري استيعاب الصدمات، وحشد الموارد، والتكيف قبل تحقق نتائج حاسمة". وانطلاقًا من هذا التعريف، تكمن قيمة العمق الاستراتيجي في المسافة الجغرافية، وفيما توفره من وقت يسمح بتنظيم القوات واستيعاب الهجمات وتأخير تقدم الخصم.

    ولهذا سعى القادة العسكريون تاريخيًا إلى مقايضة المساحة بالوقت، من خلال التراجع المنظم أو الدفاع على مراحل لاستنزاف القوات المهاجمة وإبطاء تقدمها. وتزداد أهمية هذا الاعتبار عندما يتعلق الأمر بمراكز القيادة ومؤسسات الحكم، إذ إن وقوعها بالقرب من مناطق التهديد المحتملة قد يقلص الوقت المتاح لاتخاذ القرارات وحشد الموارد، ويرفع مخاطر تعرضها لضربات أو عمليات عسكرية مبكرة.

    وفي الحالة المصرية، تبرز تجربة الرئيس أنور السادات، الذي سعى بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 إلى إنشاء عاصمة جديدة غرب القاهرة في مدينة السادات. ورغم تعدد الدوافع العمرانية والاقتصادية للمشروع، فإن اختيار موقع غربي بعيد عن سيناء ينسجم مع اعتبارات العمق الاستراتيجي التي أبرزتها الحرب. فمقارنة بالموقع الشرقي للعاصمة الإدارية الجديدة، كانت مدينة السادات ستضع مؤسسات الحكم على مسافة أبعد من اتجاه التهديد الإسرائيلي، مع الاستفادة من الامتداد العمراني والكثافة السكانية في وادي النيل والدلتا.

    وتكتسب هذه الجغرافيا أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة الأراضي المصرية المنبسطة. ففي مثل هذه البيئة، يمكن للمناطق الحضرية الكثيفة وشبكات الطرق والمجاري المائية أن تشكل عوائق أمام تقدم القوات المهاجمة، خصوصًا إذا جرى دمجها ضمن خطط دفاعية متكاملة.

    وفي هذا السياق، وضع كارل فون كلاوزفيتز الأنهار الكبيرة ضمن الحواجز الطبيعية ذات القيمة الاستراتيجية، إلى جانب الجبال، لما تفرضه من قيود على حركة الجيوش وعبورها. فالقوات المهاجمة تحتاج إلى تأمين المعابر والجسور ووسائل الدعم الهندسي، ما يمنح المدافعين فرصًا لإبطاء تقدمها وتنظيم دفاعاتهم. وقد ظهرت أهمية هذه الاعتبارات خلال الحرب الروسية الأوكرانية، عندما أسهمت المجاري المائية والجسور المدمرة في إعاقة تقدم القوات الروسية حول كييف، وتعرضت بعض محاولات العبور لخسائر فادحة.

    دروس الحرب والجغرافيا

    أعادت الحروب الحديثة، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية والمواجهات مع إيران، طرح العلاقة بين التطور التكنولوجي والجغرافيا في التخطيط العسكري. فقد أدت الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة وأنظمة الاستطلاع والاستهداف الحديثة إلى تقليص الحماية التي كانت توفرها المسافات الجغرافية، لكنها لم تُلغِ أهمية الأرض والتضاريس والمواقع الاستراتيجية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالسيطرة على المدن والأراضي.

    فالقوة الجوية والصاروخية تستطيع إلحاق خسائر كبيرة بالبنية العسكرية والاقتصادية للخصم، وتعطيل مراكز القيادة والإمداد، لكنها لا تكفي في جميع الحالات لفرض السيطرة على الأرض أو تحقيق الأهداف السياسية للحرب. وهو ما يعيد إلى الواجهة أطروحة جون ميرشايمر في كتابه "مأساة سياسة القوى العظمى" بشأن الأهمية الحاسمة للقوة البرية في الصراعات بين الدول. وفي الاتجاه نفسه، خلصت دراسة نشرتها مجلة الدراسات العسكرية السلافية إلى أن الحرب في أوكرانيا تتمحور حول الاستيلاء على الأراضي والدفاع عنها واستعادتها.

    ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التفوق الجوي والتكنولوجي، وإنما التأكيد أن نتائج الحروب تتحدد بتفاعل عناصر متعددة، تشمل القوات البرية والقدرات الجوية واللوجستية وطبيعة الأرض والعمق الاستراتيجي. فقد تتمكن دولة من تدمير منشآت عسكرية أو تعطيل قدرات خصمها عن بُعد، لكنها تواجه تحديات مختلفة عندما تسعى إلى احتلال أرضه أو إسقاط حكومته بالقوة.

    وتقدم الحرب العالمية الثانية مثالًا بارزًا على أهمية المساحة والعمق الاستراتيجي؛ إذ تمكنت ألمانيا النازية من احتلال نحو 1.9 مليون كيلومتر مربع من أراضي الاتحاد السوفيتي، لكنها عجزت عن تحقيق النصر. فقد أسهم العمق الجغرافي السوفيتي، إلى جانب التعبئة العسكرية والصناعية والخسائر الألمانية ومشكلات الإمداد، في إطالة أمد الحرب واستنزاف القوات المهاجمة. وربما اختلفت نتيجة الحرب لو كانت العاصمة موسكو ضمن المساحة المحتلة.

    إن الخطأ في قرارات كبرى مثل اختيار موقع العاصمة بشكل صحيح، قد يؤدي لكارثة. وحتى مع عدم احتلالها، فيكفي اقتراب التهديد منها لإجبار الحكومات على هجرها، وكما علّق المؤرخان العسكريان آلان ميلت وويليامسون موراي: "يمكن تصحيح الأخطاء في العمليات والتكتيكات، لكن الأخطاء السياسية والاستراتيجية تبقى خالدة".

    ومن اللافت أن كنوتسن ومورغنبسر توصلا في دراستهما إلى مفارقة تتعلق بتعارض بعض الاعتبارات الأمنية عند اختيار مواقع العواصم، إذ إن نقل العاصمة بعيدًا عن الحدود والتهديدات الخارجية قد يستلزم الاقتراب من معاقل المتمردين، والعكس صحيح. وتبدو الحالة المصرية مثالًا يستحق الدراسة من هذه الزاوية، فنقل مقار الحكم من القاهرة إلى العاصمة الإدارية الجديدة، بما يحققه من ابتعاد عن مناطق الاحتجاجات والتجمعات السكانية الكثيفة، حدث باتجاه الشرق، أي أقرب جغرافيًا إلى مناطق شهدت مواجهات مع إسرائيل، لتقترب أكثر من التهديدات الخارجية.

    عبد الرحمن محمد

    باحث في العلاقات الدولية

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *