فن الخداع الاستراتيجي: من أيرلندا إلى طوفان الأقصى
كرية في مواجهة الجيش الجمهوري في أيرلندا الشمالية، وكان من ضمن أساليب المواجهة المستخدمة عمليات الخداع التكتيكي التي استهدفت تحقيق منجز استراتيجي، حيث هدفت القيادة البريطانية إلى تعميق الانقسام داخل بنية التنظيم عبر ضرب الثقة بين القيادة القديمة للجيش الجمهوري الأيرلندي والفئة الأصغر سنًّا من القادة.
خداع الاختلاس: نموذج بريطاني
تحت مسمى "خداع الاختلاس" أدارت وحدة بريطانية تدعى "القوة المتنقلة للاستطلاع" عملية خداع اعتمدت على الدعاية والمعلومات المضللة لضرب بنية التنظيم الداخلية. بدأت "خداع الاختلاس" عندما تواصل العميل البريطاني المزدوج لويس هاموند مع صحفيين من صحيفة "صنداي تايمز" مدعيًا أنَّه عميل للجيش الجمهوري الأيرلندي قد تسلل إلى القوة المتنقلة للاستطلاع بناء على أوامر قيادة الجيش الجمهوري، وقدم هاموند للصحفيين معلومات عن هيكلة ومهام القوة المتنقلة للاستطلاع كما قدم وثيقة مزورة زعم أنَّها مذكرة داخلية كتبها أحد قادة الجيش الجمهوري.
الوثيقة التي حوت ادعاء باختلاس سبعة من قادة التنظيم 150,000 جنيه إسترليني من أموال التنظيم، كانت طلقة البداية لعملية خداع الاختلاس فقد أفرز "تسريب" الوثيقة سلسلة من المقالات في جريدة "الصنداي تايمز" ساهمت في تأسيس حالة من الشك والريبة داخل تنظيم الجيش الجمهوري وتعكير صفاء الثقة مع بيئته الحاضنة.
مفهوم الخداع: من التضليل إلى التأثير الإدراكي
يعطي المثال المطروح سابقًا لمحة عن البُعد الأمني والمستوى التكتيكي لمفهوم الخداع والذي يمكن تعريفه على أنَّه "المعلومات التي تُبث عبر بيان أو فعل لدفع الآخرين لقبول تصور مزيف للواقع بهدف التأثير على سلوكهم"، وهو تعريف المؤرخ العسكري والضابط السابق بوحدة استخبارات الحرب النفسية بالجيش الأمريكي "بارتون وايلي".
التعريف السابق للخداع يضع المفهوم في قالب إجراءات التزوير والتضليل وهو المعنى اللغوي للمرادف الإنجليزي Deception، بينما تشير تصورات أخرى -تتبنى المعنى العملي والفني- إلى تضمنه لممارسات أشمل تنطوي على توظيف الحقائق ضمن أدوات أخرى لنسج واقع أو صورة محددة، حيث يقوم الخداع -كما يعرفه بعض خبراء علوم الأمن- على أربعة مبادئ أساسية وهي: الحقيقة، التعمية، التمويه، والتضليل، وتعتمد المبادئ الثلاثة الأولى على عرض معلومات حقيقية بشكل معين يحول دون تكوين الخصم لتصورات دقيقة، في حين يخدم المبدأ الأخير (التضليل) هدف توجيه الخصم إلى بديل أكثر جاذبية.
الدبلوماسية: نوع مختلف من الخداع
في الأمثلة السابقة كانت قنوات الخداع عسكرية، مخابراتية، وإعلامية، وذلك لارتباطها بشكل مباشر بالعمل الحربي ومجال المواجهة المباشرة مع العدو، لكن ممارسة الخداع خصوصًا في السياق الاستراتيجي كثيرًا ما تتطلب إقحام الدبلوماسية والاتصال السياسي كقنوات لبث الرسائل ونسج الوهم، ويشير التعريف الساخر للدبلوماسي الإنجليزي "هنري ووتن" للسفير أو الدبلوماسي باعتباره "رجل صادق يرسل للخارج ليمارس الكذب لصالح دولته" إلى تأصل المفهوم والممارسة في العلاقات الدولية والتفكير الغربي.
مؤخرًا قدمت المفاوضات بين حزب الله ودولة الاحتلال التي توسطتها الولايات المتحدة عبر مبعوثها الخاص "آموس هوكشتاين" نموذجًا فريدًا عن دور المستوى الدبلوماسي في إدارة عمليات الخداع، حيث لعبت المفاوضات في هذه الحالة دورًا محوريًّا في رسم صورة موازية للحقائق والمؤشرات العسكرية والميدانية وتقليل حساسية الهدف (حزب الله) تجاه المخاطر والتهديدات التي تواجهه، وقد مكنت هذه الحالة الاحتلال من كسر "الخطوط الحمراء" والإخلال "بقواعد الاشتباك" (استهداف الضاحية، تصفية القيادات التاريخية والصف الأول، قصف المدنيين) دون أن يستدعي ذلك الرد المناسب من الحزب.
المستوى الاستراتيجي للخداع
مع تطور أدوات الصراع وتقنياته اكتسب مفهوم الخداع أهمية أكبر في حقل العلاقات الدولية، حيث أتاحت المعرفة والأدوات والتقنيات المعاصرة قدرات أكبر على دراسة الخصوم ومتابعة تحركاتهم، وبالتالي قدرة أكبر على تقويض سياساتهم والحد من فاعليتها، ما يتطلب تعزيز قدرات المناورة والتضليل على المستوى الاستراتيجي.
تستهدف عمليات الخداع في العموم تحقيق منجزين رئيسيين:
- التوجيه: وذلك عبر هندسة عمليات الخداع لنسج "واقع" يدفع الخصم لأخذ إجراءات محددة تخدم أهدافك النهائية.
- الإرباك: وذلك عبر تشويش الخصم والحد من قدرته على الفهم والوصول إلى المعلومة، وتقويض القدرة على الفعل بالمحصلة.
وتتضمن عمليات الخداع الاستراتيجي ثلاثة مبادئ ضرورية:
- تنفيذها على عدة مستويات عبر حملات منظمة
- مراقبة مستمرة لردود الفعل وتطور الانطباعات
- فهم دقيق لمعتقدات العدو وثقافته وأهدافه
نموذج الطوفان: فن كتابة القصة
في عام 2017 وبعد عقد من توليها زمام السلطة في قطاع غزة أعلنت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عن وثيقة المبادئ والسياسات العامة التي أعادت فيها تقديم نفسها لمحيطها الإقليمي والدولي. جاءت الوثيقة التي تبنت لهجة سياسة مرنة في ظل تحولات كبيرة في المشهد الإقليمي والدولي.
حرص السنوار منذ صعوده على إرسال رسائل مختلطة، سعى من خلالها لحلحلة المواقف المتصلبة من الحركة فقد ورث بيئة إقليمية ودولية متحفزة لاجتثاث الحركة الإسلامية. بمراجعة تصريحات السنوار ومقابلاته ومواقفه خلال الفترة الممتدة بين 2017-2023 يظهر لنا مراوحة واضحة بين خطاب التهدئة والتصعيد.
شكلت هذه المواقف والإجراءات الهيكل العام والمستوى الأول لعملية الخداع التي قادها السنوار لأكثر من خمس سنوات، لكن استراتيجية المراوحة بين خطاب التصعيد والتهدئة كانت عمود الخطة الأساسي، فالتجهيز لعملية بهذا الحجم يتطلب استعدادات لوجستية وعسكرية كبيرة من غير الممكن الحفاظ على سريتها في ظل التفوق التقني والجوي للعدو وفي جغرافيا محاصرة بحجم قطاع غزة.
لقد أسس السنوار بهذا النمط لانطباع بأنَّ خطاب المواجهة والتصعيد الذي تبناه والمواجهات المحدودة التي خاضتها الحركة خلال هذه المدة، كانت دوافعها تكتيكية ضمن إطار عملية "المراجعة" الجارية لموقف الحركة الاستراتيجي، وأنَّ أي تصعيد خطابي أو حركي فأقصى غايته تحسين خيارات التفاوض والحفاظ على التماسك الداخلي والسمعة بعيدًا عن أي تصورات أو استعدادات استراتيجية للمواجهة.
خاتمة
توضح الأمثلة التاريخية وحالات الدراسة السابقة، من التجربة البريطانية مع الجيش الجمهوري الأيرلندي، مرورًا بالتضليل الدبلوماسي الياباني قبل عملية بيرل هاربر، وصولًا إلى المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي مهدت لإسقاط "الخطوط الحمراء"، وانتهاء بنموذج "طوفان الأقصى"، توضح كل هذه النماذج أنَّ الخداع الاستراتيجي أداة قادرة على تجاوز استعصاءات الواقع وحواجز فوارق القوة وأنَّه غالبًا ما تعقبه تحولات كبيرة في البيئة المحيطة.
ويكشف نموذج "طوفان الأقصى" تحديدًا عن ثلاث استنتاجات رئيسية:
- أهمية الخداع الاستراتيجي خاصة في بيئات الاستضعاف
- قابلية إدارة عمليات بهذا التعقيد في ظل كل تلك العقبات الكبرى
- ضخامة المنجزات، فعملية واحدة ناجحة قد تقلب معادلات استراتيجية
في المحصلة، يبرهن الخداع الاستراتيجي على أنَّ الصراع مهما كان شكله ليس مجرد استعراض للقوة المادية، بل أيضًا ميدان لتنازع الإرادات والعقول، ومتى نجح الجانب المخادع في تضليل وعي خصمه وصناعة إدراك مغلوط للواقع، فإنَّه يفتح بذلك الطريق نحو تحقيق تفوق استراتيجي قد يكون حاسمًا في الصراع ونتائجه.
هوامش
[1] Deception: counter deception and counterintelligence, William L. Mitchell, Robert Clark
[2] Apache over Libya, Will Laidlaw.
[3] Short War, Long Shadow: The Political and Military Legacies of the 2011 Libya Campaign, Royal United Services Institute (RUSI)
[4] December 1941: 31 Days that Changed America and Saved the World, CRAIG SHIRLEY
[5] Misinformation: Psychological Science Shows Why It Sticks, Association for Psychological Science
[6] السنوار: حماس ستواصل تقديم التنازلات من أجل إنجاز المصالحة، وكالة الأناضول، سبتمبر 2017
[7] I give you a warning of war,’ Shin Bet head told PM 10 weeks before Oct. 7, The Times of Israel
[8] Egypt warned Israel of Hamas attack days earlier, senior US politician says, The Guardian
[9] IDF says Netanyahu was warned 4 times in 2023 about how enemies saw internal discord, The Times of Israel
