الموازنة الإسرائيلية في سوريا في ضوء تراجع قسد

    أنس خضر
    أنس خضر
    الأربعاء 28 يناير 2026
    الموازنة الإسرائيلية في سوريا في ضوء تراجع قسد

    الموازنة الإسرائيلية في سوريا في ضوء تراجع قسد

    "تتخوف إسرائيل بشكل رئيسي من تحول سوريا إلى دولة تابعة، وهو أمر غير بعيد في ظل الخطاب التحريضي للرئيس التركي أردوغان". بهذه العبارة لخّص رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق تساحي هنغبي نظرة كيان الاحتلال للمشهد السوري ضمن إطار جيوسياسي تُشكّل فيه تركيا تحدّيًا متعاظمًا على المديين المتوسط والبعيد.

    لقد شكّل التوسع الإسرائيلي في سوريا، عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، جزءًا من سياسة الكيان لتدشين منطقة أمنية عازلة على حدوده الشمالية، فسيطر على قمة جبل الشيخ كنقطة استراتيجية تعزّز سيطرته الأمنية في المنطقة ككل.

    ولإبقاء دمشق تحت الضغط وإحاطتها بحلقة من الأزمات الداخلية، عملت تل أبيب على دعم المطالب الانفصالية الأقلّوية، فتدخلت بشكل مباشر لإخراج القوات الحكومية السورية من السويداء، وقدّمت الدعم المادي والعسكري للمجموعات العسكرية الدرزية، وبات الحديث عن "ممر داوود" أكثر واقعية في ظل إمكانية الربط الجغرافي والعملياتي بين السويداء جنوب سوريا، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سوريا، عبر البادية.

    مفاوضات باريس والثوابت الإسرائيلية

    أمام هذا المشهد المعقد والاختلال الكبير في موازين القوى والانكشاف الأمني، فاوضت الحكومة السورية حكومة الاحتلال في مباحثات انعقدت في باريس برعاية المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك.

    وحققت الجولة الخامسة من المفاوضات، مطلع يناير 2026، تقدماً ملحوظاً تمثّل في بيان مشترك هو الأول من نوعه بين سوريا وكيان الاحتلال، تضمّن الاتفاق على إنشاء "آلية تنسيق مشتركة" برعاية أمريكية تشمل المستويات الاستخبارية والدبلوماسية.

    ورغم ما أوحى به البيان من انفراج في أزمة الجنوب السوري، إلا أن التصريحات الإسرائيلية التي أعقبته أظهرت تمسّكًا واضحًا بثلاثة ثوابت: عدم الانسحاب من جبل الشيخ، وضمان نزع السلاح من الجنوب السوري، وعدم إدخال قوات أجنبية إلى الجنوب قد تحدّ من حرية عمل جيش الاحتلال في سوريا و"ساحات العمل البعيدة"، أي إيران.

    وفي هذا السياق، تضغط تل أبيب على موسكو لمنع نشر قوات روسية في الجنوب السوري، كما تشدّد على عدم السماح لسوريا بامتلاك أسلحة استراتيجية، في إشارة إلى صفقات التسليح المحتملة مستقبلًا مع روسيا وتركيا.

    إضافة إلى ذلك، أكّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ضمانَ الكيان لأمن دروز السويداء، في إشارة إلى التمسّك بورقة المشاريع الانفصالية الأقلّوية كعامل ضغط على دمشق. أمّا ميدانيًا، فلم يتبدّل المشهد كثيرًا، حيث واصلت دوريات الاحتلال توغلاتها في ريفي القنيطرة ودرعا وإقامة نقاط تفتيش غير ثابتة.

    الموقف الإسرائيلي في ضوء هزائم قسد

    حدث اجتماع باريس قبيل المعارك التي سيطر فيها الجيش السوري على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وما أعقبها من تقدم كبير للجيش في شمال وشرق سوريا وانحياز قسد إلى الحسكة والقامشلي.

    ورغم أن الموقف الإسرائيلي المعلن جاء داعماً لقسد خلال معارك حلب، كما في تصريح وزير الخارجية جدعون ساعر الذي دعا لحماية "الأقلية الكردية"، إلا أنه وعلى خلاف الموقف في السويداء، لم يترافق مع إجراءات ميدانية، واتسم بالحذر والترقب.

    يُعدّ مشروع قسد، بما يشتمل عليه من نظام حوكمة محلية (الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا) ومؤسسات أمنية وعسكرية، إلى جانب الرعاية الدولية طوال قرابة عشر سنوات، درّة التاج لمشروع تقسيم سوريا.

    كما اعتُبرت مناطق سيطرة قسد ملاذًا آمنًا لمجاميع فلول نظام الأسد التي لم تستطع الخروج إلى لبنان، فضلًا عن الربط الجغرافي بينها وبين السويداء من خلال البادية الممتدة بين دير الزور وصولًا إلى تلول الصفا في ريف السويداء الشرقي.

    ولذا فإن تراجع هذا المشروع سيقلّص من آمال الفلول إلى حدّها الأدنى، ويضيّق الخناق أكثر على الميليشيات الانفصالية في السويداء، ما يجعل الرهان الإسرائيلي على تقسيم سوريا أضعف من ذي قبل، ويوجّه ضربة قوية لمشروع "ممر داوود".

    ويبرز في هذا الصدد محدِّدان رئيسيان للموقف الإسرائيلي:

    الأول يتعلّق بالضربة المرتقبة تجاه إيران، والتي قد تهدف إلى إسقاط النظام واستثمار الاحتجاجات وحركات التمرد التي تشكّل الأحزاب الكردية المعارضة رأس حربتها في غرب البلاد، ما يعني أن انهيار النظام أو فقدانه السيطرة على المناطق ذات الأغلبية الكردية يتيح الاتصال الجغرافي بين الميليشيات الكردية في إيران والعراق وسوريا وصولًا إلى تركيا، ما يشكّل تهديدًا للأمن القومي التركي.

    الثاني أن الكيان الإسرائيلي، مع حرصه على منع النفوذ التركي من التمدد إلى الجنوب السوري، سيكون أكثر حذرًا في التعامل مع مصالح أنقرة في الشمال السوري، تجنبًا لتصعيد أكبر مع عضو في الناتو وحليف رئيسي للولايات المتحدة في المنطقة، والتي لا يريد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الاصطدام معها في سوريا، لضمان مشاركتها الفاعلة في مواجهة إيران، سواء في الدفاع أو الهجوم.

    تدفع هذه الاعتبارات تل أبيب نحو موقف أكثر حذرًا تجاه التدخل في الملفات السورية الأبعد عن حدودها، نظرًا لغياب الاعتبارات الأمنية والجغرافية المباشرة التي تتذرع بها في نشاطها في الجنوب السوري، لكنها تميل إلى بقاء الميليشيات الكردية كعنصر يوازن حكومة الرئيس الشرع من خلال دمجها في مؤسسات الدولة، فضلًا عن إمكانية توظيفها كعامل ضغط وتشغيب في مواجهة تركيا وإيران معًا.

    نافذة إسرائيل لتحقيق مصالح استراتيجية

    تبقى ملفات السويداء وجبل الشيخ وعموم الجنوب السوري مرتبطة بالتفاهمات الأمنية مع الكيان، بينما لم تنجح الممارسات الميدانية الإسرائيلية في تعزيز دور تل أبيب في تشكيل المشهد السوري بفاعلية، في مقابل تعزيز الرئيس أحمد الشرع حكمه رغم التحديات.

    تدرك دوائر التخطيط الإسرائيلية جيدًا سعي الحكومة السورية لكسب الوقت والحدّ من التهديدات، بالاستفادة من هامش المناورة تحت عنوان "الهدنة"، مع التمسّك بثوابت العداء للمشروع الصهيوني، ما يحقق مصلحة مرجوة لسوريا الجديدة.

    لا تقتصر المصلحة الإسرائيلية على عقد تفاهمات أمنية محدودة، إنما تسعى لتوسيع شبكة علاقاتها في المنطقة في إطار "اتفاقيات أبراهام"، لكنها تدرك صعوبة ذلك بالنسبة للواقع السوري الذي تقوده قوى إسلامية ذات خلفية جهادية، وتستند إلى حاضنة ثورية محافظة.

    ولذلك، يطرح معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي فكرة استجرار سوريا نحو التزامات سياسية معلنة وربطها بمنافع اقتصادية كبيرة، على غرار ما هو مطروح على لبنان، بحيث يفرض هذا المسار على دمشق سلوكًا يتجاوز الهدنة ويُوطّئ للتطبيع على المدى البعيد، عبر تغيير مفهوم العداء تجاه المشروع الصهيوني وتكريس "السلام" في المناهج التعليمية والسياسات الرسمية والإعلام.

    المسار نفسه يطرحه مستشار الأمن القومي السابق تساحي هنغبي تحت عنوان "سوريا أولًا"، حيث يدعو إلى "تعظيم الفائدة المتوقعة لسوريا من الارتباط بمبادرة الرئيس ترامب للسلام في الشرق الأوسط ومن التعاون مع إسرائيل".

    في المقابل، يدعو هنغبي إلى فرض "تنفيذ فعلي لإجراءاتٍ تضمن المصالح الأمنية الحيوية لإسرائيل"، قاصدًا بذلك أنشطة حزب الله وإيران وفصائل المقاومة الفلسطينية.

    أخطار وتوصيات

    يفرض الطرح الإسرائيلي على سوريا أخطارًا بالغة تتعلّق بدور سوريا في المنطقة، حيث يحرص على تجريدها من عوامل القوة وحرمانها من حرية القرار، في مقابل إغراءات اقتصادية يشهد الواقع المصري والأردني بعكسها.

    كما أن ربط دمشق بالتزامات سياسية معلنة سيفرض عليها قيودًا تشبه القيود المتحكّمة بقرار مصر الداخلي في سيناء والخارجي إزاء الملفات التي تمسّ أمنها القومي، كقطاع غزة.

    ولذلك تبرز أهمية خوض المفاوضات بنفس طويل، بالتزامن مع الحدّ من فاعلية أدوات الضغط الإسرائيلية في الداخل، وذلك من خلال محاصرتها وتفكيكها تحت شعارات وطنية.

    كما يشكّل الحفاظ على ولاء الحاضنة الشعبية والاستفادة من زخمها الثوري رأس المال الاستراتيجي للقيادة في دمشق، فتجاوز مفهوم الهدنة نحو التزامات تجارية وسياسية معلنة سيفتح الباب أمام شرخ داخلي وفقدان ثقة القاعدة الشعبية.

    على الصعيد الإقليمي، من المهم فهم السياقات الإقليمية التي تتشكل انطلاقًا من قراءة الدول الفاعلة في المنطقة (السعودية، قطر، وتركيا) لتوسّع المشروع الصهيوني ومحاوره التي تهدّد أمنها القومي، عبر السودان وإثيوبيا وأرض الصومال في مقابل الجزيرة العربية، وقبرص واليونان في شرق المتوسط.

    أما دوليًا، فإن المشهد يتجه نحو مزيد من الانقسامات وتعارض المصالح والسياسات، في ظل ترنّح حلف الناتو والفصام المتزايد بين أوروبا والولايات المتحدة، والصراع الأوروبي الروسي في أوكرانيا، وكل ذلك يتيح مزيدًا من هوامش المناورة على الساحة الدولية.

    لذلك، يجدر الانتباه لهذه التحولات واغتنامها بما يلبّي مصالح سوريا وأمتنا الإسلامية.

    أنس خضر

    أنس خضر

    باحث بالشأن اللبناني والإسلامي

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *