هل تعود روسيا كفاعل أمني في سوريا؟
بعد نحو عام من وصول أحمد الشرع إلى السلطة، برز تقارب متجدد بين روسيا وسوريا، لا سيما في المجال الأمني. ويأتي هذا التقارب عقب فترة أولية من الشك والحذر، تعكس مزيجًا من جهود التهدئة الدبلوماسية التي بذلتها موسكو، واعتراف دمشق بالتهديدات الأمنية التي تواجه سوريا.
وفي الأشهر الأخيرة، جرى حوار مكثف بين وزارتي الدفاع والقوات المسلحة في البلدين، شمل مناقشات حول تقديم المساعدة لإعادة تأهيل الجيش السوري وتوسيع نطاق الانتشار الروسي على الأراضي السورية. ورغم عدم رصد أي تنفيذ ملموس لهذه الخطط على أرض الواقع، فإن توطيد هذه الشراكة الأمنية لا يخدم مصالح إسرائيل، بل قد يُعرّض حرية تحركها للخطر.
في الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط الأسد قبل ما يزيد قليلاً عن عام، ظلت العلاقات بين القيادة السورية الجديدة وروسيا - التي دعمت الأسد حتى الأيام الأخيرة قبل سقوط دمشق - فاترة. ورغم عدم طرد الروس بالقوة (وهو إنجاز كبير، بالنظر إلى مصير القوات الإيرانية وقوات حزب الله التي قاتلت إلى جانب روسيا ضد هيئة تحرير الشام)، فقد تقلص وجودهم العسكري في سوريا بشكل كبير.
وقد أدى ذلك، من بين أمور أخرى، إلى تقليل تأثير العامل الروسي الذي قيد حرية إسرائيل في التحرك على الساحة السورية، لا سيما في ضوء الزيادة الملحوظة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في أواخر عام 2024 في مواجهة القدرات المحتملة للجيش السوري.
مع سيطرة الشرع، اضطر الروس إلى سحب قواتهم من مواقع انتشارها في أنحاء سوريا إلى قواعدها الدائمة، وتفكيك معظم قدراتهم العسكرية.
عانت القوات المتبقية لأشهر من قيود مشددة على الحركة خارج حدود مواقعها الساحلية؛ ومُنعت السفن من دخول ميناء طرطوس؛ وسرعان ما خسرت الشركات الروسية عقود الإدارة والتطوير؛ وبشكل عام، واجه الروس شكوكاً واسعة النطاق.
تفاقم انعدام الثقة بين السوريين وروسيا خلال اشتباكات مارس/آذار 2025 بين سكان علويين على الساحل السوري ومجموعات موالية لحكومة الشرع. وعقب مجازر جماعية في بلدات علوية، اختار الروس فتح أبواب قاعدة حميميم أمام آلاف السكان المحليين الفارين بحياتهم، ما حال دون وقوع مجزرة أخرى على الأرجح.
وكانت هذه الحادثة من بين المظاهر العلنية القليلة - وإن لم تكن الوحيدة - لاستمرار تعاون روسيا مع الأقليات في سوريا، والتي لا تسيطر عليها حكومة دمشق سيطرة كاملة.
في هذا الواقع، وجدت روسيا نفسها في موقف حرج: فبعد سنوات من الاستثمار المباشر لإنقاذ نظام الأسد، كان عليها أن تُكيّف سياستها مع اختفاء حليفها من الساحة السياسية. فقدت معظم أصولها في سوريا، ولم يتبقَّ لها سوى قواعدها الدائمة كموطئ قدم في ظل نظام جديد معادٍ.
ولتحسين هذا الوضع الهش، بدأت موسكو، منذ مطلع عام 2025، تُشير إلى رغبتها في تحقيق الاستقرار في سوريا والتعاون مع السلطات الجديدة في دمشق. إلا أن الاختراق الحقيقي لم يحدث إلا ابتداءً من أشهر الصيف، عقب عدة خطوات اتخذتها موسكو تمهيداً لتحسين الأمور، فضلاً عن تطورات داخل سوريا نفسها - لا سيما في جنوبها - دفعت القيادة الجديدة نحو تبني نهج أكثر براغماتية تجاه روسيا.
من الجانب الروسي، اتُخذت خطوات لبناء الثقة منذ الأشهر الأولى لحكم الشرع، شملت شحنات من القمح والوقود، وجهودًا دبلوماسية، ووفودًا رفيعة المستوى (بما في ذلك وفد رفيع المستوى من وزارة الخارجية، ورسائل، ومكالمات هاتفية من الرئيس فلاديمير بوتين).
وتضمنت هذه المبادرات مقترحات للتعاون الاقتصادي والإنساني، مثل إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة في سوريا، وزيادة المساعدات المادية والغذائية، بل وحتى فكرة تحويل حميميم وطرطوس إلى مركزين للمساعدات الإنسانية.
وأكدت موسكو تفهمها للواقع السياسي الجديد، ونيتها السعي نحو علاقات أكثر توازنًا، وقبولها للمطلب السوري بإعادة النظر في الاتفاقيات الموقعة بين موسكو وحكومة الأسد. مهدت هذه الرسائل الطريق لتوسيع الحوار ليشمل مجالات أكثر حساسية، وعلى رأسها التعاون الأمني.
في الوقت نفسه، وبعد تصاعد التوتر في جنوب البلاد، ترسخ في دمشق تفاهمٌ مفاده أن روسيا قادرة على لعب دورٍ فعّال في استقرار سوريا.
وفي يوليو/تموز 2025، ردًا على موجة عنف أخرى شملت اشتباكات بين البدو الموالين للنظام والطائفة الدرزية، شنت إسرائيل غارة استعراضية نهارية في قلب دمشق، موجهةً رسالة استعداد للتدخل دعمًا للدروز.
ويبدو أن هذا الحدث هو ما دفع السوريين إلى إدراك جدوى روسيا كشريك أمني خارجي. وبعد نحو أسبوعين، في 31 يوليو/تموز، زار وزيرا الخارجية والدفاع السوريان روسيا للمرة الأولى والتقيا بوتين.
وفي وقت لاحق، تبين أن دمشق مهتمة بإعادة القوات الروسية إلى جنوب سوريا على الحدود الإسرائيلية - على غرار الانتشار الذي كانت عليه الشرطة العسكرية الروسية خلال عهد الأسد - كوسيلة لتقييد إسرائيل.
منذ ذلك الحين، أصبح البُعد الأمني جزءًا لا يتجزأ من الاجتماعات بين الجانبين. فبينما سعى السوريون إلى الحصول على مساعدة روسية، استخدمت موسكو مقترحات التعاون كوسيلة ضغط لتحسين موقفها بشأن قضايا مهمة بالنسبة لها، وعلى رأسها وضع قواعدها العسكرية.
نوقشت قضايا التنسيق الأمني، بما في ذلك مراجعة وضع القواعد الروسية، والمساعدة في إعادة تأهيل الجيش السوري، وإعادة انتشار القوات، في سبتمبر/أيلول 2025 خلال زيارة وفد مشترك بين المؤسسات الروسية إلى دمشق برئاسة نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك.
وفي أوائل أكتوبر/تشرين الأول، ناقش وفد من وزارة الدفاع الروسية قضايا من بينها رفع جاهزية الجيش السوري وصيانة المعدات العسكرية. وفي الوقت نفسه، زار رئيس الأركان السوري موسكو لبحث خيارات شراء الأسلحة والتنسيق بين الجيشين.
تعمقت العلاقات مع زيارة الرئيس السوري محمد الشرع إلى موسكو في 15 أكتوبر/تشرين الأول، والاستقبال الحافل الذي حظي به من الرئيس بوتين. وخلال اللقاء، أكد الرئيس السوري على الالتزام بالاتفاقيات القائمة بين البلدين، في إشارة إلى نيته الحفاظ على وضع القواعد الساحلية الروسية، بما يتماشى مع المصالح الروسية.
ومن الواضح أن الشرع لا يرغب في منح روسيا النفوذ الذي تمتعت به خلال عهد الأسد، وذلك في إطار جهوده لتنويع مصادر الدعم الخارجي إلى جانب العلاقات التي يبنيها مع دول أخرى، بما فيها الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج.
ومع ذلك، عززت القمة التوجه نحو حوار سياسي دبلوماسي وأمني أوثق، وأعقبها تواصل مستمر بين الأجهزة الأمنية. وعلى وجه الخصوص، زار وزير الدفاع السوري موسكو في أواخر أكتوبر/تشرين الأول، حيث جرى بحث التعاون العسكري الثنائي.
ثم في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، سافر نائب وزير الدفاع الروسي إلى دمشق، وقام وفد عسكري روسي سوري مشترك بجولة في محافظة القنيطرة جنوب سوريا، ما يُعد دليلاً على التقدم المحرز نحو إعادة نشر القوات الروسية في المنطقة.
في أواخر ديسمبر، زار وفد آخر برئاسة وزيري الخارجية والدفاع السوريين، ضمّ ممثلين عن المخابرات السورية، موسكو. وأشارت التقارير إلى أن المحادثات مع بوتين شملت تحديث الأنظمة العسكرية السورية وتوسيع التعاون في مجال البحث والتطوير.
مع بداية عام 2026، يبدو أن الجانب الروسي قد أوقف جهوده الرامية إلى تعزيز انتشار محتمل لقواته في جنوب سوريا دون تعاون إسرائيلي، وذلك عقب اعتراضات إسرائيلية وردت خلال المشاورات الثنائية. ويشير هذا إلى محدودية قدرة موسكو وإرادتها في العمل كمزود أمني لدمشق في ظل اعتبارات إقليمية معقدة.
إلى جانب التعاون الأمني، سعت روسيا إلى ترسيخ مكانتها كطرف دبلوماسي في الحوار السوري الإسرائيلي. أشارت تقارير في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى وجود "تفاهمات" روسية أمريكية محتملة بشأن هذه القضية؛ إلا أن التطورات اللاحقة تُشير إلى أن الحوار استمر بوساطة أمريكية، دون اعتراف رسمي بدور روسي.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية تُعمّق علاقاتها الثنائية مع دمشق، التي تنظر على ما يبدو إلى واشنطن كشريك مفضل على موسكو، ولم تُوضح علنًا ما إذا كانت موسكو مُرشحة للمشاركة في هذا المسار.
ونتيجةً لذلك، تبدو قدرة روسيا على التأثير في نهج واشنطن محدودة، بينما تحتفظ إسرائيل بخيار التواصل المباشر مع الإدارة الأمريكية لتوضيح مصالح روسيا وخطواتها، وكيف تختلف هذه عن مصالح إسرائيل وخطواتها.
رؤى وتداعيات على إسرائيل
تتمثل استراتيجية روسيا العملياتية تجاه الشرع في ترسيخ مكانتها الإقليمية في ظل الظروف الجديدة. وفي مقابل إعادة ترسيخ اتفاقيات الوجود - في المقام الأول في قواعدها الساحلية، وربما أيضاً من خلال مشاريع اقتصادية - يبدو أن موسكو تقدم لدمشق حلولاً لمشكلتها العسكرية.
وتشمل هذه الحلول خدمات دعم للجيش (صيانة، تدريب، شراء أسلحة)، وتنسيقاً أمنياً، وتدابير دعم إضافية قد تؤثر بشكل غير مباشر على حرية إسرائيل في التحرك ضد سوريا، سواء من خلال نشر قوات اسمية أو بوسائل أخرى.
مع أنه لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على توقيع اتفاقيات، إلا أن نطاق المساعدة لا يزال غير واضح، ويجب اعتبار الحرب الروسية في أوكرانيا قيدًا على موارد روسيا.
لذا، من المعقول افتراض أن روسيا، فيما يتعلق بإعادة تأهيل الجيش، قادرة على تحسين القدرات السورية في مجالات لا تتطلب استثمارات ضخمة، كالاتصالات والعقيدة والمهارات التقنية.
والأهم من ذلك، أن هذه المساعدة قد تشمل أيضًا توفير قدرات أساسية في الدفاع الجوي والطيران والبحرية. ويتماشى اهتمام سوريا بنشر قوة روسية في جنوبها مع رغبتها في خلق نقطة توتر إضافية مع إسرائيل، مع أنه يبدو، في الوقت الراهن، أن روسيا، بعد مفاوضاتها مع القدس، قررت عدم تصعيد الموقف.
تؤكد روسيا مرارًا وتكرارًا أن وجودها العسكري في سوريا يحظى بترحيب دول المنطقة، مما يبرر استمرار وجودها، بل وربما توسيعه.
وتشير التقارير إلى أن إسرائيل نفسها أعربت عن رغبتها في الحفاظ على القاعدة الروسية في سوريا كقوة موازنة للنفوذ التركي، ما يساعد روسيا في تبرير خطة إعادة انتشار قواتها.
مع ذلك، ساعدت تركيا روسيا في الحفاظ على الحوار مع دمشق في الأشهر الأولى من حكم الشرع، والآن تستغل روسيا المخاوف الإسرائيلية والتركية بشأن ميزان القوى الإقليمي لتعزيز موقفها.
علاوة على ذلك، تستطيع أنقرة، عند الضرورة، حشد مواردها العسكرية للعمل في سوريا، في حين أن موارد موسكو العسكرية في الساحة محدودة؛ لذا لا مصلحة لروسيا في المواجهة.
ونظرًا للتفاوت في القدرات العسكرية المتاحة التي من شأنها أن تمنع روسيا من فرض إرادتها بالقوة، يمكن الاستنتاج أن منع التوسع التركي في سوريا -إن حدث- ليس من مصلحة روسيا.
أتاح الوجود العسكري الروسي المحدود في سوريا خلال العام الماضي لإسرائيل حرية شبه كاملة في التحرك على الساحة السورية. إلا أن التوجه السياسي قد تغير في الأشهر الأخيرة؛ فإذا ما بدأ الروس بترجمة هذا الوجود إلى واقع ملموس على الأرض، فقد تُقيد حرية إسرائيل في التحرك، وإن لم تصل إلى المستويات التي شهدتها في عهد الأسد.
وعلى وجه الخصوص، إذا تحققت توقعات روسيا بإعادة تنظيم وضع قواعدها الدائمة، فسيزداد احتمال إعادة بعض القدرات الروسية إلى الخدمة العملياتية. ومن أبرز هذه القدرات: الدفاع الجوي بعيد المدى والرصد، والقدرات الجوية والبحرية، وأنظمة الحرب الإلكترونية، والأهم من ذلك، جمع استخبارات الإشارة.
وبناءً على ذلك، ترى إسرائيل أن الحوار المباشر - أو الحوار الذي ترعاه جهات غربية - مع سوريا هو المسار الأمثل للتوصل إلى اتفاق أمني.
ويفترض هذا النهج توضيحاً مسبقاً للمبادئ التوجيهية الإسرائيلية للمفاوضات، بما في ذلك الخطوط الحمراء ومجالات التوافق، وينبغي أن يسير بالتوازي مع تنسيق سياسي أوثق مع الولايات المتحدة وأوروبا.
في الوقت نفسه، ينبغي التقليل من التركيز على القضايا المتعلقة بسوريا في الحوار مع روسيا، وينبغي لإسرائيل أن تتخلى عن دور روسيا كقوة موازنة أو وساطة في المنطقة.
هذا ضروري للحد من نفوذ روسيا على إسرائيل في الساحة السورية، طالما أمكن إحراز تقدم نحو التوصل إلى اتفاق بدعم خارجي أكثر توافقاً، وتحديداً من الولايات المتحدة.
معلومات عن الكاتب
جورجي بوروسكون: باحث في برنامج روسيا بمعهد الأمن القومي الإسرائيلي. انضم إلى المعهد عام ٢٠٢٣ بعد أكثر من عقد من الخدمة في الاستخبارات العسكرية. يحمل شهادة بكالوريوس في تاريخ الشرق الأوسط والعلوم السياسية، وشهادة ماجستير في العلوم السياسية، العلاقات الدولية والأمن القومي، وكلاهما من جامعة تل أبيب. يركز في أبحاثه على السياسة الروسية، على الصعيدين الداخلي والدولي، بالإضافة إلى الحرب الإلكترونية والحرب السيبرانية.
