الميلشيات العلوية في الساحل: خطرها والحد منه
تواجه سوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام الأسدي تحديًا أمنيًا وسياسيًا بالغ الحساسية، يتمثل في تفكيك الميليشيات الطائفية التي تشكّلت خلال سنوات الثورة بدعم مباشر من نظام الأسد، ثم اتخذت بعد سقوط النظام من الساحل السوري معقلًا لها.
يمثل حجم تلك الميليشيات مشكلة لكن تبرز مشكلة أكبر تكمن في الهاجس الذي زرعه نظام الأسد في الوعي العام، حين جعل الانتماء الطائفي جزءًا من معادلة البقاء، وربط تلك الميليشيات بمنظومة أمنية مغلقة قائمة على الحماية والامتيازات بعيدًا عن القانون والمواطنة.
خلال سنوات الثورة، تشكّلت هذه المجموعات تحت مسميات متعددة، ومن أبرزها قوات الدفاع المحلي، واللجان الشعبية، وقد ارتبطت مباشرة بالأجهزة الأمنية والعسكرية، إضافة إلى شبكات الشبيحة التي أدّت دورًا مركزيًا في الضبط القسري، وفرض السيطرة الاجتماعية، وإدارة اقتصاد الحرب. وفي مراحل لاحقة، ظهرت تسميات أخرى مثل "درع الساحل"، ضمن محاولات لإعادة تنظيم العناصر المتبقية بعد سقوط النظام البائد.
تكوّن العمود الفقري لهذه التشكيلات من عناصر في جيش النظام البائد، وأفراد سابقين في الأجهزة الأمنية، إلى جانب مدنيين جرى استقطابهم عبر حوافز مادية أو عبر خطاب تعبوي قائم على زرع الخوف الطائفي.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن أعداد المنتسبين لهذه التشكيلات بلغت في ذروة الصراع عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف، قبل أن تتراجع بعد سقوط النظام، مع بقاء الخبرة القتالية، وشبكات القرابة، والخوف من المحاكمة والمحاسبة، والقدرة على التعبئة السريعة عواملَ فاعلة تُعقّد عملية التفكيك.
دوافع الانضمام
انهارت بسقوط نظام الأسد منظومة القيادة والسيطرة التقليدية، العسكرية منها والأمنية، التي كانت تنظِّم عمل أفراد الجيش السابق وأجهزته الأمنية، لتحلّ محلها علاقات جديدة يتبوأ فيها القيادة ذوو المال والنفوذ الاجتماعي، بينما عمل الأفراد بدافع الخوف من النظام الجديد، رغم العفو الذي أصدره، والذي أثبت مرور سنة عليه صدقه.
وفي ظلّ المخاوف الطائفية، يرى كثير من أفراد هذه الميليشيات أنهم في حالة اضطرارية للدفاع عن النفس، يدافعون فيها عن أرواحهم وامتيازاتهم السابقة، ويبررون جرائمهم بأنهم إنما كانوا ينفِّذون القانون، وبلغ الأمر بهم المطالبة بإعادتهم إلى وظائفهم التي خسروها، أو تعويضهم ماليًا عن فقدان تلك الوظائف.
أبرز التشكيلات المسلحة الناشطة في الساحل
1. لواء درع الساحل:
يقوده الضابط السابق مقداد فتيحة، وهو متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة وجرائم تعذيب خلال سنوات سابقة.
يتبنّى "اللواء" خطابًا طائفيًا علويًا صريحًا، ويهدف إلى تقويض الحكومة الجديدة عبر خلق فوضى أمنية واستنزاف مؤسسات الدول. وقد نفّذ عمليات استهداف لقوى الأمن ومدنيين، وسيطر مؤقتًا على مواقع حساسة في الساحل، وشارك في احتجاجات ذات طابع طائفي، مع ادعائه بتلقي دعم خارجي والتحالف مع فصائل أخرى.
2. المجلس العسكري لتحرير سوريا:
يتزعمه غياث دلا، وهو ضابط سابق تشير معطيات ميدانية إلى تلقيه دعمًا ماليًا ولوجستيًا من حزب الله وميليشيات عراقية، إضافة إلى قنوات تنسيق غير مباشرة مع قوات سوريا الديمقراطية. وقد نفّذ هجمات في ريف اللاذقية أوقعت خسائر بشرية في صفوف قوى الأمن.
3. قوات النخبة:
أُعلن عن تشكيلها من قبل رامي مخلوف، رجل الأعمال البارز وابن خال بشار الأسد، وقد قدّم مخلوف نفسه في البداية كحامٍ للساحل، مدّعيًا التنسيق مع سهيل الحسن، قائد قوات النمر سابقًا، قبل أن يتراجع مخلوف لاحقًا وينفي البيان، مدّعيًا اختراق حساباته. لكن اسمه ظهر مجددًا في تسريبات "عاكف" التي تثبت ضلوعه الفعلي في تمويل ميليشيات علوية تحاول التمرد على الدولة.
4. رجال النور – سرايا الجواد:
تنظيم مسلح يُشتبه بتبعيته لسهيل الحسن "النمر"، رغم نفيه العلني لذلك. ويرفع شعارات "الفدرالية" ويدعو لإسقاط الحكومة الجديدة عبر استغلال الاحتجاجات، ويُظهر دعمًا واضحًا لـ"غزال غزال" الذي يدّعي تمثيله الديني للطائفة، ويدعو للالتزام ببياناته. وتورّط في تفجيرات واستهداف مخافر ومركبات أمنية في الساحل، وشارك في تحركات شعبية بغرض استدراج قوى الأمن لمواجهات.
الصورة العامة والسمات المشتركة
تجتمع هذه التشكيلات على جملة من السمات:
• رفض صريح للسلطة السورية الجديدة.
• المطالبة بالإفراج عن معتقلين سابقين وإعادة المفصولين إلى وظائفهم.
• تبنّي خطاب طائفي يركّز على وتر حماية العلويين.
• الترويج للفدرالية كمدخل سياسي لتفكيك الدولة.
• الاشتباك المتكرر مع قوى الأمن، واتهامات موثقة بتنفيذ عمليات ضد مدنيين.
ويؤدي هذا السلوك دورا في زعزعة الاستقرار في الساحل، وتهديد السلم الأهلي.
رهانات هذه المجموعات وآفاقها السياسية
تعتمد هذه الميليشيات على رهانات سياسية، من أبرزها التعويل على تدخل خارجي يعيد خلط الأوراق أو يفرض تسوية تمنحها دورًا أو حماية، إضافة إلى الرهان على إضعاف الدولة السورية الجديدة عبر استنزاف أمني طويل الأمد، وافتعال توترات طائفية تُربك مسار بناء الدولة.
غير أن هذه الرهانات تصطدم ببيئة إقليمية ودولية –باستثناء إسرائيل– تميل إلى دعم الاستقرار، ما يجعل آفاق هذه المجموعات محدودة وقابلة للتآكل مع مرور الوقت.
الخطر الذي تمثّله هذه الميليشيات يرتبط بما يمكن أن تؤديه من دور مُعطِّل ومُربك لمسار المرحلة الانتقالية، فهي تعزّز الاستقطاب الطائفي، وتعيد تعريف طبيعة الصراع من كونه صراعًا بين الدولة واللادولة إلى صراع هويات متقابلة، بما يهدد أسس العقد الوطني ويقوّض فرص الاستقرار طويل الأمد، ويوفّر مادة جاهزة للتوظيف الخارجي الهادف إلى تشويه صورة الدولة السورية الجديدة.
نهج الدولة السورية الجديدة
في مواجهة هذا الخطر، تعتمد الدولة السورية الجديدة مقاربة تقوم على الفصل بين الطائفة العلوية بوصفها مكوّنًا وطنيًا، وبين الميليشيات المسلحة التي تدّعي تمثيلها، ويُعدّ هذا الفصل حجر الأساس في تفكيك معادلة الخوف التي ورثتها هذه التشكيلات عن النظام البائد.
تبنّت الدولة السورية الجديدة مقاربة تقوم على حماية السلم الأهلي وعزل التشكيلات المسلحة، وقد تجلّى ذلك في تعامل مؤسسات الدولة مع تظاهرات مدنية شهدتها مناطق ذات غالبية علوية خلال الفترة الماضية، حيث تولّت القوات الحكومية حماية المتظاهرين وتأمين حقهم في التعبير السلمي، في رسالة مفادها أن الدولة تحمي المواطنين، وتواجه فقط السلاح غير الشرعي، دون استهداف الهوية الطائفية.
عمليًا، تتطلّب عملية تفكيك الميليشيات الطائفية في الساحل السوري الجمع بين الحزم الأمني وبناء الثقة المجتمعية، حيث تبرز الحاجة إلى توسيع الحملات الأمنية والأنشطة الاستخبارية باتجاه المناطق الحدودية مع لبنان والعراق لملاحقة الممولين والمنسقين، بالتوازي مع تعزيز التعاون الاستخباري الإقليمي والدولي لقطع قنوات التمويل والدعم.
وفي هذا الإطار، تعمل الحكومة على إرساء إطار قانوني يجرّم السلاح خارج المؤسسات الرسمية، مع فتح مسارات رسمية لدمج من لم يتورطوا في انتهاكات جسيمة ضمن الحياة العامة والوظائف الحكومية.
ويتكامل ذلك مع إجراءات مثل رفع رواتب العاملين في القطاع العام وتحسين الأوضاع المعيشية، بوصفها خطوة أساسية لبناء جسور الثقة، إلى جانب عزل القيادات التي تقود العنف والخطاب الطائفي.
كما اعتمدت الدولة خطابًا وطنيًا يحمي المجتمع المحلي من الوصم الجماعي، وتبنّت مسارًا تنمويًا يعالج الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي استغلتها المجموعات المسلحة في إعادة التجنيد.
وتبقى المهمة الأكثر حساسية هي استنقاذ الطائفة العلوية من إرث "نظام الأسد" عبر ترسيخ مبدأ المساواة بين جميع السوريين في الحقوق والواجبات، ومحاسبة مرتكبي الجرائم دون تمييز، بما يعيد دمج المجتمع المحلي في مشروع الدولة الجديدة.
