قبل وصوله إلى رئاسة الوزراء الإثيوبية، وبالتحديد خلال توليه منصب نائب رئيس إقليم أوروميا، تحدث آبي أحمد إلى بعض زملائه عن اعتزامه التفاوض مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لإنهاء الأزمات بين البلدين، والحصول على جائزة نوبل للسلام. وبعد أقل من عامين، تحقق الأمران، إذ وقّع اتفاقًا للمصالحة مع إريتريا في عام 2018، وحصل على جائزة نوبل في عام 2019.
لم تكن هذه الواقعة استثناءً في سيرة آبي أحمد، فقد ارتبط تصوره لمستقبله منذ طفولته بقصة رددها كثيرًا عن نبوءة والدته بأنه سيحكم إثيوبيا يومًا ما، وشكلت تلك النبوءة ركيزة في تصوره لذاته بوصفه رجلًا يحمل رسالة خاصة، ويرى في وصوله إلى الحكم فرصة لإعادة بناء إثيوبيا واستعادة دورها الإقليمي.
إن آبي أحمد، الذي نشأ في بيئة تتداخل فيها الانتماءات الدينية والقومية، وأمضى سنوات في الجيش والمؤسسة الاستخباراتية، جمع بعد توليه رئاسة الوزراء بين خطاب يدعو إلى المصالحة والتسامح والوحدة الوطنية، وممارسات اتسمت بالاستعداد لخوض مواجهات حادة مع القوى التي تمثل عقبة أمام مشروعه، بما فيها أطراف ساعدته على الوصول إلى الحكم.
وخلال ثماني سنوات من حكمه، انقلبت الأوضاع رأسًا على عقب، فبعد موجة تفاؤل سادت في بداية عهده بإصلاحات سياسية ومصالحة تاريخية مع إريتريا، اندلعت حرب مدمرة في إقليم تيغراي، واشتعلت صراعات مسلحة في إقليمي أمهرة وأوروميا، وبرزت توترات إقليمية بشأن الوصول إلى البحر الأحمر.
بلغت الأزمة ذروتها في سبتمبر/أيلول 2026، مع إعلان 7 حركات مسلحة تشكيل "تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء"، والذي ضم جبهة تحرير شعب تيغراي وحركة فانو الأمهرية وجيش تحرير أورومو، وجبهة تحرير أوغادين الوطنية، وجبهة الوحدة الديمقراطية الثورية لعفار، وحركة تحرير شعب بني شنقول، وحركة غوموز الديمقراطية الشعبية، بهدف إسقاط آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية. والمفارقة أن هذا التحالف جمع قوى تحاربت فيما بينها، وبعضها قاتل إلى جانب آبي أحمد ضد خصومه.
ومن ثم فالرجل الذي وصل إلى السلطة مبشرًا بالتحديث وبمرحلة جديدة من التنمية، بات يواجه تحالفًا يضم عددًا من أبرز خصومه السابقين وحلفائه المنقلبين عليه، ما يطرح تساؤلات حول دور شخصيته وطموحاته وطريقته في إدارة السلطة في الوصول إلى هذه النتيجة.
النشأة والتكوين
وُلد آبي أحمد في بلدة بيشاشا بإقليم أوروميا عام 1976، بعد عامين من إطاحة الجيش بالإمبراطور هيلاسيلاسي، وتولي مجلس "الدرج" العسكري السلطة، قبل أن ينفرد منغستو هيلا مريام بالحكم في عام 1977، ويشن حملة عنيفة لتصفية خصومه عُرفت باسم "الإرهاب الأحمر" لتأثره بالأيديولوجيا الماركسية اللينينية.
كان والد آبي، أحمد علي، مسلمًا من قومية الأورومو، بينما كانت والدته تيزيتا الزوجة الرابعة لوالده. ونشأ آبي في أسرة متعددة الانتماءات الدينية، إذ كانت والدته مسيحية أرثوذكسية قبل اعتناقها الإسلام، لكنها احتفظت ببعض مظاهر ارتباطها بالمسيحية، ومنها رسم علامة الصليب عند المرور بالكنيسة الأرثوذكسية في المناسبات الدينية. وظلت هذه الخلفية حاضرة في تكوين آبي أحمد، الذي اعتنق لاحقًا المسيحية الخمسينية، وهي إحدى الحركات البروتستانتية التي تعطي أهمية خاصة للإيمان الشخصي والتجربة الروحية.
أطلقت والدته عليه اسم "أبيوت"، وهي كلمة أمهرية تعني "الثورة". ومع تصاعد قمع نظام منغستو ونشاط جبهة تحرير أورومو في المناطق الريفية، تعاطف والده مع الجبهة، وساعد مقاتليها بتوفير المأوى وجمع الطعام والأموال. وطلب من ابنه التخلي عن اسم "أبيوت"، واستخدام اسم "آبي" الأقل إثارة للشبهات الأمنية.
تأثرت الأسرة بالصراع الذي شهدته المنطقة، إذ اعتُقل والده وشقيقه الأكبر قدير أحمد، ثم قُتل الأخير على يد مسلحين من جبهة تحرير أورومو، اتهموه بنقل معلومات إلى السلطات. وكان لمقتل شقيقه أثر بالغ عليه. فقد قال صديق طفولته مفتاح هودين: "أعتقد أن فقدان شقيقه في عمر 14 سنة كان نقطة تحول في حياة آبي".
وتشير شهادات أصدقاء عرفوا آبي في صغره إلى أن والدته كانت أكثر تأثيرًا في نظرته إلى إثيوبيا وتاريخها. فبخلاف القوميين الأورومو الذين ارتبط وعيهم بتاريخ الصراع مع السلطة في أديس أبابا، لم يُعرف عن آبي تبني مواقف قومية أورومية حادة، وأظهر اهتمامًا بالرموز الإمبراطورية والتاريخ السياسي لإثيوبيا، بما في ذلك الشخصيات التي ينظر إليها بعض القوميين الأورومو بوصفها مسؤولة عن إخضاع مناطقهم وإلحاقها بالدولة المركزية.
نبوءة الأم والالتحاق بالجيش والاستخبارات
ارتبطت طفولة آبي أحمد برواية كررها عن والدته، مفادها أنها تنبأت بأنه سيحكم إثيوبيا يومًا ما. ويورد الصحفي توم غاردنر، الذي تناول سيرة آبي أحمد في كتاب بعنوان "مشروع أبي: الله والقوة والحرب في إثيوبيا الجديدة"، من خلال مقابلات مع أشخاص عرفوه في مراحل مختلفة، أن رئيس الوزراء الإثيوبي لم يتحدث كثيرًا عن حياته المبكرة عند وصوله إلى الحكم، وأن الروايات التي قدمها عن نشأته اتسمت أحيانًا بالغموض والتناقض. فقد تحدث عن تمتعه بمستوى معيشة مريح، واستخدام السيارات في تنقلاته، بينما نقل أحد زملائه السابقين أنه كان يروي تفاصيل مختلفة عن حياته بحسب المناسبة والجمهور.
التحق آبي أحمد بالجيش في سن الخامسة عشرة، بالتزامن مع سقوط نظام منغستو وصعود الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية إلى السلطة. وفي عام 1992، انضم إلى المنظمة الديمقراطية لشعب أورومو، أحد المكونات الحزبية للائتلاف الحاكم الجديد. وقد أتاحت له هذه البداية الجمع بين الانتماء إلى المؤسسة العسكرية والعمل داخل التنظيم الذي مثل قومية الأورومو في الائتلاف، وإن ظلت القيادة الفعلية للدولة والجيش والأجهزة الأمنية خاضعة لنفوذ جبهة تحرير شعب تيغراي.
وكانت المحطة الأهم في تكوينه المهني انتقاله إلى العمل في وكالة أمن شبكات المعلومات "إنسا"، التي أُنشئت عام 2006 بمساعدة أمريكية، بهدف تطوير قدرات إثيوبيا في جمع المعلومات الاستخباراتية. وقد أُرسل آبي مع خمسة من زملائه إلى جنوب أفريقيا لدراسة علم التشفير لمدة ستة أشهر بين عامي 2002 و2003، في إطار الاستعداد لتأسيس الوكالة، قبل أن يتولى رئاسة إدارة أمن المعلومات فيها.
وتركز عمله في الوكالة على حماية الأنظمة الحكومية والعسكرية من الاختراقات الإلكترونية، في وقت كانت فيه "إنسا" تعزز قدراتها على اعتراض الاتصالات وجمع المعلومات عن دول الجوار. وفي أحد الأيام، دخل آبي أحمد إلى مكتب الجنرال تكليبرهان وولدي أريغاي، رئيس الوكالة، وعرض عليه مشروع قاموس من الأمهرية إلى الإنجليزية قال إنه ألّفه، طالبًا تمويل نشره. ورغم أن المشروع لم يُنفذ، فقد لفت انتباه الجنرال، الذي ضم آبي إلى فريق يعمل في مشروع استخباراتي مشترك مع وكالة الأمن القومي الأمريكية.
وقد وصف آبي سنوات عمله في "إنسا" بأنها من أفضل مراحل حياته، وقال إنها ساعدته على إدراك مواطن القوة والضعف في النظام الحاكم، والحاجة إلى إصلاحه. وبحسب الجنرال تكليبرهان، كانت إحدى أبرز مواهب آبي قدرته على التواصل مع الآخرين، فقد استطاع بناء علاقات داخل الجهاز، وتكوين شبكة من المعارف والأصدقاء الذين سيلعب بعضهم مستقبلًا أدوارًا مهمة في مسيرته السياسية.
وظهرت أهمية هذه الشبكات بعد وصوله إلى الحكم، حين استعان بشخصيات عرفها خلال سنوات عمله الأمني لتعزيز نفوذه في مواجهة خصومه داخل الائتلاف الحاكم وخارجه. ومن أبرز الأمثلة تيمسجن تيرونه، الذي ارتبط بآبي منذ فترة عملهما معًا، وتولى في عام 2020 رئاسة جهاز المخابرات والأمن الوطني.
السمات الشخصية
تقدم شهادات زملاء آبي أحمد السابقين في الاستخبارات الإثيوبية صورة لشخصيته تجمع بين الطموح والقدرة على استمالة الآخرين، مع تباين في تقييم دوافعه وسلوكه. فقد نقل الصحفي توم غاردنر في كتابه "مشروع آبي أحمد" عن أحد زملائه أنه لم يكن يستطيع الجلوس ساكنًا لأكثر من ثلاث دقائق، وكان يُرى دائمًا يتجول داخل المجمع ويتحدث مع الآخرين، دون أن يُرى قط ينجز شيئًا. في حين قال زميل آخر: "كان أنيقًا حقًا، وعلى عكس الآخرين الذين تبدو أعينهم حمراء ومظهرهم أشعث نتيجة قضاء الليل كله في المكتب، كان شعر آبي دائمًا مرتبًا، ويستخدم مستحضرات العناية بالبشرة، ويرتدي قمصانًا جديدة كل صباح".
وتباينت تقييمات زملائه لطريقة تعامله مع الآخرين، إذ رأى أحدهم أنه ركز على الوصول إلى السلطة بأي وسيلة، واستخدم موقعه لتحقيق مصالحه الخاصة، بينما وصفه آخر بأنه ودود، يعانق الناس ويبتسم، ويرسل رسائل يتمنى فيها الخير للآخرين ويدعوهم إلى المناسبات. وأضاف زميل ثالث أنه كان كريمًا، يعطي المال للمتسولين، وإذا امتدح أحد حذاءه يذهب ليشتري له زوجًا مثله. في المقابل، رأى زميل آخر أن آبي عمل بمنطق المقايضة، تفعل شيئًا من أجله فيفعل شيئًا من أجلك، وبمجرد أن تفعل ذلك لا يمكنك الانسحاب، لأنه يصبح لديه ما يستخدمه ضدك.
وامتدت شبكة علاقات آبي أحمد إلى المؤسسات الأمريكية خلال عمله الاستخباراتي، إذ قال في حوار مع مجلة "نيويوركر" إنه كان الشخص الذي يرسل المعلومات الاستخبارية من هذا الجزء من العالم إلى وكالة الأمن القومي الأمريكية حول السودان واليمن والصومال. ومع وصوله إلى رئاسة الوزراء، برزت قدرته على مخاطبة المسؤولين الغربيين وإقناعهم بأن مشروعه السياسي يتوافق مع مصالحهم وتصوراتهم. ففي وثيقة للسفارة الأمريكية في أديس أبابا عام 2018، أشادت السفارة بالتوجه الغربي القوي لآبي، واعتبرت إدارته فرصة لا تتكرر سوى مرة واحدة في كل جيل لتعزيز المصالح الأمريكية في المنطقة.
وقدم المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما شهادة بشأن طريقة آبي أحمد في التعامل مع الشخصيات الأجنبية، قائلًا إنه "بارع حقًا في معرفة كيف يضغط على الأزرار الصحيحة". فقد أخرج آبي أثناء لقائهما نسخة من كتاب فوكوياما الصادر عام 1996، "الثقة: الفضائل الاجتماعية وخلق الازدهار"، ووصفه بأنه كتابه المقدس. وقبيل انتهاء اللقاء، فاجأ ضيفه بسؤاله عما إذا كان يمارس الصلاة، ثم انطلق في حديث طويل عن أهميتها وذكرياته في الولايات المتحدة، وكيف تشربت أسرته القيم الدينية والسياسية الأمريكية هناك. وتتوافق هذه الواقعة مع شهادة باحث إثيوبي أجرى عدة محادثات مع آبي، ووصفه لغاردنر بقوله: "آبي هو كبير المتلاعبين، ما يفعله هو أنه يحاول أن يعرف من أنت، وماذا تريد في الحياة، وما مصالحك".
وظهرت هذه الطريقة أيضًا في علاقاته مع شركائه الإقليميين، ففي عام 2022، رافق الصحفي جون أندرسون رئيس الوزراء في رحلة بطائرة مروحية إلى منتزه أواش الوطني، بحضور مجموعة من الإماراتيين. وخلال الرحلة، تحدث آبي عن الكيفية التي يمكن أن تكون بها إثيوبيا مفيدة لحلفائها الأجانب، مقترحًا، على سبيل المثال، أن تخوض حروبهم نيابة عنهم، بالنظر إلى أن الغربيين لم يعودوا متحمسين لإرسال أبنائهم للقتال، بينما الإثيوبيون مقاتلون أكفاء لا يترددون في ذلك. وهكذا، قدم آبي إثيوبيا للشركاء الخارجيين كقوة يمكن توظيف إمكاناتها البشرية والعسكرية في خدمة مصالحهم.
وفي تقييمه لهذه السمات، خلص توم غاردنر إلى أن آبي أراد أن يكون صديقًا للجميع دون أن يكون مخلصًا لأحد، وترك الجماعات المختلفة تعتقد فيه ما تريد أن تعتقده، مهما كانت تلك التصورات متناقضة. وتساعد هذه الملاحظة على فهم قدرته على بناء تحالفات متعددة في مراحل مختلفة من مسيرته، وكذلك تفكك تلك التحالفات عندما تتعارض مصالح أطرافها.
الطريق إلى السلطة
وصل آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء في أبريل/نيسان 2018 إثر صراع على قيادة الائتلاف الذي حكم إثيوبيا منذ عام 1991. فقد أفضت الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت إقليمي أوروميا وأمهرة إلى إضعاف الحكومة، بالتزامن مع تصاعد الخلافات بين الأحزاب الأربعة المكونة للجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية، وانحسار قدرة "جبهة تحرير شعب تيغراي" على التحكم في قرارات الائتلاف. واستفاد آبي من شبكة العلاقات التي بناها داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والحزب الحاكم، ليصبح مرشحًا توافقت عليه قيادات أورومية وأمهرية داخل الائتلاف الحاكم تسعى إلى إنهاء هيمنة النخبة التيغرانية على السلطة.
وتعود جذور الأزمة إلى وفاة رئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي في عام 2012، بعد 21 عامًا قضاها على رأس السلطة منذ الإطاحة بنظام منغستو هايلي مريام. فقد انتقلت السلطة إلى نائبه هايلي مريام ديسالين دون صراع على الخلافة، ولم يمتلك ديسالين النفوذ الذي تمتع به سلفه داخل الائتلاف، خصوصًا أنه جاء من "الحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا"، أحد مكوناته الأضعف، فيما احتفظت القيادات التيغرانية بمواقع مؤثرة داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية ومؤسسات صنع القرار، وتزايد استياء القيادات الأورومية والأمهرية من محدودية دورها، بينما يمثل الأورومو أكبر القوميات الإثيوبية من حيث عدد السكان بنسبة 35%، مقابل 26.9% للأمهرة، ونحو 6% فقط للتغراي.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، اندلعت احتجاجات في إقليم أوروميا اعتراضًا على خطة لتوسيع النطاق العمراني للعاصمة أديس أبابا على حساب أراضٍ تابعة للإقليم، شملت نقل ملكية مدرسة وأجزاء من غابة محلية إلى مستثمرين من القطاع الخاص. وطالب المحتجون بإنهاء التهميش السياسي والاقتصادي الذي اشتكى منه الأورومو. واستمرت الاحتجاجات خلال عام 2016، بالتزامن مع اندلاع مظاهرات في إقليم أمهرة، وسط اتهامات للأجهزة الأمنية باستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2016، أعلنت الحكومة حالة الطوارئ. وفي هذه الأجواء، شهد حزب "المنظمة الديمقراطية لشعب أورومو" تغييرات في قيادته، إذ تولى ليما ميغيرسا رئاسة الحزب، وأصبح آبي أحمد نائبًا لرئيس إقليم أوروميا كما تولى مسؤوليات مرتبطة بالتنمية والتخطيط الحضري. وشكل الرجلان تيارًا إصلاحيًا اكتسب شعبية داخل أوروميا، عبر تبني خطاب يدافع عن حقوق الإقليم وينتقد بعض ممارسات أديس أبابا. وتعزز في ذات الوقت التقارب بين قيادات حزب "المنظمة الديمقراطية لشعب أورومو" وحزب "الحركة الوطنية الديمقراطية الأمهرية"، التي سعت بدورها إلى تعزيز نفوذها داخل الائتلاف الحاكم. وقد جمع الطرفين الاعتراض على هيمنة جبهة تحرير شعب تيغراي على الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة.
في مطلع عام 2018 أعلن الائتلاف الحاكم خطة إصلاح تضمنت الإفراج عن سجناء سياسيين، لكن الاحتجاجات استؤنفت في أوروميا، وشاركت قطاعات من موظفي حزب "المنظمة الديمقراطية لشعب أورومو" في تعطيل العمل داخل المؤسسات الحكومية. وفي 15 فبراير/شباط، أعلن رئيس الوزراء هايلي مريام ديسالين استقالته من رئاسة الحكومة والائتلاف الحاكم، بعدما عجز عن احتواء الأزمة.
فتحت الاستقالة باب التنافس على قيادة الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية، التي كان رئيسها يتولى رئاسة الوزراء بحكم سيطرة الائتلاف على البرلمان. وقد برز ليما ميغيرسا مرشحًا محتملًا، مستفيدًا من شعبيته في أوروميا، لكنه لم يكن عضوًا في البرلمان الفيدرالي، ما حال دون توليه رئاسة الوزراء وفق الشروط الدستورية، بينما كان آبي أحمد عضوًا في البرلمان منذ عام 2010. وفي فبراير/شباط 2018، انتقلت رئاسة الحزب من ليما إلى آبي، مع احتفاظ الأول بمنصبه رئيسًا لإقليم أوروميا، ما أتاح لآبي خوض المنافسة على رئاسة الائتلاف.
وجاء الاختبار في اجتماع المجلس القيادي للجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية في مارس/آذار 2018، الذي ضم 180 عضوًا، بواقع 45 عضوًا لكل حزب من الأحزاب الأربعة المكونة للائتلاف. فقد دعمت "الحركة الوطنية الديمقراطية الأمهرية" ترشيح آبي أحمد، ما أتاح له الجمع بين أصوات ممثلي الحزبين الأورومي والأمهري، فضلًا عن أصوات من أحزاب أخرى. وانتُخب آبي رئيسًا للائتلاف الحاكم بعدما حصل على 108 أصوات من أصل 169 صوتًا أُدلي بها. وفي 2 أبريل/نيسان، أدى اليمين الدستورية أمام البرلمان رئيسًا للوزراء، ليصبح أول رئيس للحكومة من قومية الأورومو منذ وصول الجبهة الديمقراطية الثورية إلى الحكم.
وهكذا، كان وصول آبي أحمد إلى السلطة حصيلة تفاعل 3 مسارات: الاحتجاجات الشعبية التي أضعفت النظام، والتغييرات داخل الحزب الأورومي التي وفرت له موقعًا قياديًا، والتفاهم مع القيادات الأمهرية الذي حسم المنافسة داخل الائتلاف الحاكم. وقد جاء إلى الحكم محمولًا على أكتاف مطالب شعبية بإصلاح النظام السياسي، وتحالف قام على تقاطع مصالح قوى قومية متنوعة تسعى لإضعاف نفوذ جبهة تحرير شعب تيغراي، دون اتفاق على تصور موحد لمستقبل الدولة الإثيوبية، ما وضعه أمام مطالب وتوقعات متعارضة من الأطراف التي أسهمت في وصوله إلى الحكم.
فلسفة التآزر ومركزية السلطة
في عام 2019، أصدر آبي أحمد كتاب بعنوان "ميديمر" عرض فيه رؤيته لمعالجة الانقسامات التي تعاني منها إثيوبيا. وتعني الكلمة بالأمهرية التآزر، ويقوم المفهوم على أن تكامل قدرات الأفراد والجماعات يتيح تحقيق نتائج تتجاوز ما يستطيع كل طرف إنجازه منفردًا. وقد قدم آبي هذه الفلسفة باعتبارها أساسًا لإعادة بناء العلاقات بين مكونات المجتمع الإثيوبي، وتجاوز الصراعات القومية والسياسية التي أعاقت استقرار البلاد. واستخدم المفهوم في مجالات مختلفة، من العلاقات بين القوميات إلى إدارة الاقتصاد وإصلاح المؤسسات الحكومية، لكنه ظل فضفاضًا حين اصطدم بالخلافات حول توزيع السلطة والموارد، وصلاحيات الحكومة الفيدرالية والأقاليم.
على المستوى السياسي، ارتبط مفهوم "مديمر" بمحاولة إعادة تعريف العلاقة بين الوحدة الوطنية والتعدد القومي. فقد قام النظام الدستوري الذي تأسس في التسعينيات على الاعتراف بالقوميات الإثيوبية بوصفها وحدات سياسية تتمتع بالحكم الذاتي، مع إقرار حق تقرير المصير، بما في ذلك الانفصال، ردًا على التجربة التاريخية للدولة المركزية التي اتهمتها الحركات القومية بإخضاع الشعوب الإثيوبية المختلفة وفرض الهيمنة عليها.
في المقابل، انطلق آبي أحمد من أن استمرار التنظيم السياسي على أسس قومية يعزز الانقسامات ويضعف الهوية الإثيوبية المشتركة. ولم يعلن إلغاء الفيدرالية القومية دستوريًا، لكنه سعى إلى تغيير الأساس الحزبي الذي تستند إليه، بحيث تصبح السلطة أكثر ارتباطًا بتنظيم وطني موحد، بدلًا من ائتلاف أحزاب يمثل كل منها قومية أو إقليمًا معينًا.
وعزز هذا التوجه في ديسمبر/كانون الأول 2019، بتأسيس "حزب الازدهار" ليحل محل الائتلاف الحاكم السابق "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية"، من خلال دمج ثلاثة من أحزابه الأربعة الرئيسية، وهي حزب أورومو الديمقراطي، وحزب أمهرة الديمقراطي، والحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا، إلى جانب خمسة أحزاب حليفة من أقاليم أخرى. في المقابل، رفضت جبهة تحرير شعب تيغراي، التي هيمنت على الائتلاف الحاكم منذ عام 1991، الانضمام إلى الحزب الجديد، في خطوة عمّقت الخلافات بينها وبين حكومة آبي أحمد.
وبذلك أصبح الحزب الحاكم تنظيمًا واحدًا يمتد عبر معظم الأقاليم، ويخضع لقيادة مركزية، بدلًا من ائتلاف تحتفظ أحزابه بمؤسساتها وقياداتها الخاصة. وقد أتاح الحزب الجديد لآبي أحمد تعزيز قدرته على اختيار القيادات الإقليمية وتحديد توجهاتها. لكن المشروع واجه معضلة رئيسية، فالقوى القومية التي رأت في الفيدرالية ضمانة لحقوقها لم تكن مستعدة للتخلي عن استقلالها مقابل الاندماج في حزب فيدرالي. ولذلك، نظر مؤيدو المشروع إليه باعتباره وسيلة لتعزيز الوحدة والاستقرار، بينما خشي معارضوه أن يؤدي إلى إضعاف الفيدرالية القومية وتعزيز قبضة السلطة في العاصمة. وأصبح هذا الخلاف أحد العوامل التي عمقت الانقسام بين الحكومة الفيدرالية والقوى القومية التي رأت في سياسات آبي تهديدًا للضمانات التي اكتسبتها بعد سقوط نظام منجستو.
ممارسة السلطة
في يونيو/حزيران 2018، وبعد شهرين من توليه رئاسة الوزراء، أقال آبي أحمد قائد الجيش الإثيوبي الجنرال سامورا يونس، ورئيس جهاز المخابرات والأمن الوطني غيتاتشو أسيفا، وهما من أبرز الشخصيات التيغرانية داخل المؤسسة الأمنية. ولم تتوقف التغييرات عند هذين المنصبين، فبحلول نهاية العام، قال أحد مستشاري رئيس الوزراء لوكالة رويترز إن 160 جنرالًا أُقيلوا من مناصبهم.
استهدفت هذه الإجراءات تفكيك النفوذ الذي راكمته جبهة تحرير شعب تيغراي داخل مؤسسات الدولة طوال ما يقرب من ثلاثة عقود حيث احتفظت قياداتها بمواقع مؤثرة في الجيش والاستخبارات والشركات الحكومية. ولم يكن آبي قادرًا على ممارسة سلطاته بحرية ما دامت هذه المؤسسات خاضعة لقيادات ترتبط بخصومه داخل الائتلاف الحاكم، ولذلك مثّل تغيير القيادات الأمنية خطوة ضرورية لإحكام قبضته على السلطة.
وامتدت التغييرات إلى الخدمة المدنية والقضاء، وتراجع حضور الشخصيات التيغرانية في مؤسسات الدولة، حتى أصبحت جبهة تحرير شعب تيغراي، بحلول عام 2020، خارج التشكيل الوزاري. وقد عمّق ذلك شعور قيادتها بأنها تتعرض للإقصاء من النظام الذي أسهمت في تأسيسه، فيما قدمت الحكومة هذه الإجراءات باعتبارها جزءًا من مكافحة الفساد وإصلاح المؤسسات. ومع شعورهم بالتهديد، انتقل قادة التغراي إلى إقليمهم الذي أصبح قطبًا منافسًا لأديس أبابا.
ولم يكن تفكيك نفوذ الجبهة مصحوبًا ببناء توافق جديد بين القوى الأخرى في البلاد. فقد اعتمد آبي على تحالفات متغيرة لمواجهة خصومه، ومنح بعض القوى مساحة للحركة طالما تدعم سياساته، قبل أن تتدهور العلاقات معها عندما تتعارض مصالحها مع توجهاته. وقد ساعدته هذه السياسة على حسم الصراع داخل مؤسسات الحكم، لكنها جعلت استقرار تحالفاته مرهونًا باستمرار وجود خصم مشترك.
من الاحتجاجات إلى الحرب
في يونيو/حزيران 2020، أدى اغتيال المغني والناشط الأورومي هاشالو هونديسا في أديس أبابا إلى اندلاع احتجاجات عارمة، تخللتها مواجهات مع قوات الأمن وأعمال عنف ذات طابع عرقي، أسفرت عن مقتل المئات وإصابة آخرين. وأعقبت الاضطرابات حملة اعتقالات واسعة شملت شخصيات بارزة في المعارضة الأورومية، من بينها جوهر محمد، أحد أبرز رموز الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إثيوبيا بين عامي 2014 و2018، وأسهمت في استقالة رئيس الوزراء السابق هايلي مريام ديسالين، وتمهيد الطريق أمام وصول آبي أحمد إلى السلطة.
وفي ذات الوقت، تصاعد الخلاف بين الحكومة الفيدرالية وسلطات إقليم تيغراي حول تأجيل الانتخابات العامة المقررة في أغسطس/آب 2020 بسبب جائحة كورونا. فقد اعتبرت قيادة الإقليم أن استمرار الحكومة الفيدرالية بعد انتهاء ولايتها الدستورية = يمثل انتهاكًا للشرعية، وأجرت انتخابات إقليمية في سبتمبر/أيلول، ورفضت أديس أبابا الاعتراف بنتائجها. وتفاقمت الأزمة مع تبادل الاتهامات بشأن شرعية المؤسسات الحاكمة، وتصاعد الخلاف حول المخصصات المالية للإقليم والسيطرة على الوحدات العسكرية الاتحادية المتمركزة فيه. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2020، اندلعت الحرب عقب هجمات شنتها قوات موالية لجبهة تحرير شعب تيغراي على مواقع القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي، قالت قيادة الجبهة إنها نفذتها استباقًا لهجوم اتحادي وشيك، فيما اعتبرتها حكومة آبي أحمد اعتداءً يستوجب الرد.
ولم يخض آبي أحمد الحرب اعتمادًا على الجيش الفيدرالي وحده، إذ شاركت القوات الإريترية، إلى جانب القوات الخاصة والميليشيات الأمهرية، في العمليات ضد جبهة تحرير شعب تيغراي. وتباينت دوافع الأطراف المشاركة، فقد سعت أسمرة إلى إضعاف جبهة تحرير تغراي التي هيمنت على الحكم في إثيوبيا خلال الحرب الحدودية مع إريتريا بين عامي 1998 و200، بينما سعت القوى الأمهرية إلى بسط سيطرتها على مناطق متنازع عليها في غرب تيغراي وجنوبه، تعتبرها جزءًا تاريخيًا من إقليم أمهرة. وقد أسهم التقاء هذه المصالح في تعزيز القوة العسكرية للحكومة الفيدرالية، لكنه حمل بذور خلافات ظهرت لاحقًا للعلن بشأن حيازة الأراضي وترتيبات السلام.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2022، أنهى اتفاق بريتوريا العمليات القتالية بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي. ونص الاتفاق على وقف الأعمال العدائية ونزع سلاح قوات تيغراي وإعادة الخدمات والسلطة الفيدرالية إلى الإقليم، لكنه ترك مسائل جوهرية دون تسوية نهائية، وفي مقدمتها وضع الأراضي المتنازع عليها بين التغراي وأمهرة، وترتيبات الانسحاب وعودة النازحين.
وقد أتاح اتفاق بريتوريا لآبي أحمد وقف الحرب مع جبهة تحرير شعب تيغراي، لكنه أثار اعتراضات حلفائه. فقد خشيت القوى الأمهرية التي شاركت في الحرب أن تؤدي ترتيبات السلام إلى انسحاب قواتها من المناطق المتنازع عليها في غرب تيغراي وجنوبه، وفقدان السيطرة عليها. أما إريتريا، فاعترضت على التسوية التي أبقت الجبهة طرفًا في المشهد السياسي، بعدما كانت تطمح إلى القضاء على نفوذها تمامًا. وهكذا، مهد الاتفاق لتصاعد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وحلفائها السابقين.
وتفاقمت الأزمة في أبريل/نيسان 2023، عندما قررت الحكومة الفيدرالية حل القوات الخاصة في إقليم أمهرة ودمج عناصرها في الجيش والشرطة أو تسريحهم، في خطوة قالت إنها تستهدف توحيد المنظومة الأمنية ومنع وجود تشكيلات عسكرية موازية. وقوبل القرار بمعارضة في أمهرة، حيث اعتُبرت القوات الخاصة إحدى أدوات حماية الإقليم، ولا سيما في ظل استمرار الخلافات بشأن المناطق الحدودية مع تيغراي. ومع انضمام عناصر من هذه القوات إلى حركة "فانو" الأمهرية، اندلع تمرد جديد ضد الحكومة الفيدرالية في أغسطس/آب 2023. وهكذا، أصبح آبي أحمد يوجه قوى قاتلت إلى جانبه قبل فترة قصيرة، بعدما تغيرت المصالح التي جمعتها بالحكومة.
الطموح الإقليمي
في سبتمبر/أيلول 2025، وخلال مقابلة تلفزيونية أجراها على ضفاف بحيرة سد النهضة، وصف آبي أحمد فقدان إثيوبيا منفذها إلى البحر الأحمر عقب استقلال إريتريا قبل أكثر من ثلاثة عقود بأنه خطأ تاريخي، مؤكدًا أن الخطأ وقع بالأمس، وسيُصحح غدًا، وأن استعادة ميناء عصب الإريتري ليست سوى مسألة وقت. وقدّم تصريحه مراجعة لأحد أهم نتائج إعادة تشكيل القرن الإفريقي بعد انتهاء الحرب الباردة، وهي استقلال إريتريا عام 1993. كما كشف عن تغير في خطاب رئيس الوزراء الإثيوبي، الذي حصل على جائزة نوبل للسلام تقديرًا لدوره في إنهاء القطيعة مع إريتريا.
وتعود أهمية هذه المسألة إلى أن إثيوبيا فقدت ساحلها على البحر الأحمر بعد استقلال إريتريا، لكنها احتفظت بإمكانية استخدام ميناء عصب في تجارتها الخارجية حتى اندلاع الحرب بين البلدين عام 1998، حين توقفت حركة التجارة عبر الميناء، واضطرت إثيوبيا إلى الاعتماد على جيبوتي. ومع زيادة عدد السكان ونمو الاقتصاد الإثيوبي، أصبح الاعتماد على منفذ خارجي محدود إحدى القضايا المرتبطة بالأمن القومي.
لم يتعامل آبي أحمد مع المسألة بوصفها تحديًا اقتصاديًا يمكن معالجته من خلال اتفاقيات النقل واستخدام الموانئ، وربطها بمكانة إثيوبيا الإقليمية وتاريخها. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023، وصف آبي أحمد أمام البرلمان وضع إثيوبيا كدولة غير ساحلية بأنه سجن جغرافي، معتبرًا أن دولة يُتوقع أن يبلغ عدد سكانها 150 مليون نسمة بحلول عام 2030 لا يمكنها الاستمرار في هذا الوضع. وقدم الحصول على منفذ إلى البحر الأحمر باعتباره ضرورة وجودية ترتبط بمستقبل التنمية الاقتصادية والأمن القومي، داعيًا إلى التوصل لتفاهمات مع الدول المجاورة تتيح لبلاده الوصول إلى البحر. وينقل الصحفي توم غاردنر عن أشخاص عرفوه قبل توليه رئاسة الوزراء أنه كان يعتبر افتقار إثيوبيا إلى ساحل على البحر الأحمر ظلمًا تاريخيًا، وأنه ناقش في أحاديث خاصة إمكانية توسيع حدود بلاده باتجاه البحر. وبعد شهرين فقط من توليه رئاسة الوزراء في أبريل/نيسان 2018، أعلن آبي أحمد اعتزام بلاده إعادة تأسيس قواتها البحرية، ثم في مارس/آذار 2019، وقّع اتفاقًا للتعاون الدفاعي مع فرنسا، تعهدت بموجبه باريس بالمساعدة في بناء القوة البحرية الإثيوبية وتدريب كوادرها.
وتتقاطع هذه الرؤية مع استحضار تاريخ إثيوبيا الإمبراطوري، حين كانت البلاد تمتلك منفذًا بحريًا عبر إريتريا. ففي عام 1962، ضم الإمبراطور هيلا سيلاسي إريتريا إلى الدولة الإثيوبية، بعد إنهاء الاتحاد الفيدرالي الذي أُقيم بينهما برعاية الأمم المتحدة. وقد أتاح الضم لإثيوبيا تطوير موانئ مصوع وعصب وإنشاء قوة بحرية، كما ساهم أيضًا في تصاعد المقاومة الإريترية المسلحة، التي انتهت باستقلال البلاد. ولذلك، فإن استعادة الحديث عن الحقوق التاريخية الإثيوبية في البحر الأحمر لا تنفصل عن ذاكرة مختلفة لدى الإريتريين، الذين ينظرون إلى تلك المرحلة باعتبارها تجربة إخضاع فقدوا خلالها استقلالهم.
وفي مطلع يناير/كانون الثاني 2024، وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع سلطات أرض الصومال التي أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991، دون أن تحظى باعتراف دولي. وارتبطت المذكرة بمساعي أديس أبابا للحصول على منفذ بحري، بما في ذلك ترتيبات تتعلق باستخدام الساحل لأغراض تجارية وعسكرية. وقد أثارت الخطوة أزمة حادة مع الحكومة الصومالية، التي اعتبرتها انتهاكًا لسيادتها ووحدة أراضيها.
وأدى الخلاف إلى تمدد نطاق الأزمة، بعدما عززت الصومال تعاونها العسكري مع مصر، إذ وقّعت القاهرة ومقديشو بروتوكولًا للتعاون العسكري في أغسطس/آب 2024، أعقبه إرسال شحنات من الأسلحة والمعدات العسكرية المصرية إلى الصومال، إلى جانب بحث مشاركة قوات مصرية في بعثة الاتحاد الإفريقي الجديدة. وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول 2024، استضافت أسمرة قمة ثلاثية جمعت رؤساء إريتريا ومصر والصومال، واتفق الرؤساء على تشكيل لجنة مشتركة تضم وزراء خارجية الدول الثلاث لتنسيق التعاون الاستراتيجي في مختلف المجالات.
آبي أحمد أمام اختبار البقاء
في 23 سبتمبر/أيلول 2026، شهد شمال إثيوبيا مواجهات بين القوات الحكومية وتشكيلات مسلحة معارضة، بعد يومين من إعلان 7 حركات مسلحة وسياسية تأسيس "تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء"، بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد. وسيطرت قوات جبهة تحرير شعب تيغراي لفترة مؤقتة على مطار عاصمة تغراي مدينة ميكيلي، بينما امتدت المواجهات إلى مناطق في أمهرة وعفر. وكان التطور الأهم، بخلاف تجدد القتال في تيغراي، هو ظهور تنسيق عسكري بين جماعات تنتمي إلى قوميات مختلفة، سبق لبعضها أن خاض حروبًا ضد بعضها الآخر.
تمثل جبهة تحرير شعب تيغراي تمثل جزءًا من النخبة التي حكمت إثيوبيا قبل صعود آبي أحمد، بينما ترتبط حركة فانو بتيارات قومية أمهرية ترى أن الحكومة الفيدرالية أضعفت دورها التاريخي، بعد أن احتكرت نخب أمهرية جانبًا كبيرًا من السلطة خلال العهد الإمبراطوري. أما جيش تحرير أورومو، فينطلق من مطالب قومية وشعور بالتهميش داخل الإقليم الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء.
لكن الاتفاق على إسقاط الحكومة لا يعني وجود توافق بشأن النظام الذي ينبغي أن يحل محلها. فلا تزال مناطق ولقايت وأجزاء من غرب وجنوب تيغراي موضع مطالبات متعارضة بين القوى الأمهرية والتيغرانية، كما تختلف مواقف الحركات الأورومية والأمهرية بشأن الحدود الإقليمية وطبيعة الفيدرالية والهوية الوطنية. ويضاف إلى ذلك التباعد الجغرافي بين مناطق نشاط الجماعات المسلحة وتفاوت قدراتها العسكرية، ما قد يحد من فاعلية التعاون بينها. ومع ذلك، فإن تنسيق هجمات متزامنة في أكثر من إقليم يفرض على الجيش الفيدرالي توزيع قواته وموارده.
وفي 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي انسحاب قواتها من ميكيلي، ونقل الإدارة الإقليمية مؤقتًا إلى موقع آخر، بالتزامن مع دخول مقاتلي "قوات سلام تيغراي" المتحالفة مع الحكومة الفيدرالية إلى المدينة، تبعتها وحدات من الجيش الإثيوبي. وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن مكتب رئيس الوزراء تشكيل إدارة مؤقتة جديدة لإقليم تيغراي، خاضعة للإشراف الفيدرالي لمدة ستة أشهر، تتولى استعادة الأمن والخدمات العامة وإعادة بناء المؤسسات المحلية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات حرة. وتبقى تساؤلات بشأن قدرة الإدارة الجديدة على اكتساب قبول محلي، فجبهة تحرير تغراي ستعيد الانتشار في المناطق الريفية، بينما يتطلب تثبيت السيطرة الحكومية توفير مؤسسات إدارية وخدمات عامة وشركاء محليين يمكن الاعتماد عليهم.
خطر المواجهة الإقليمية
بعد أكثر من 8 سنوات على وصول آبي أحمد إلى السلطة، تبدو إثيوبيا أمام مفارقة؛ فقد نجح رئيس الوزراء في تغيير تركيبة النخبة الحاكمة، وتقويض نفوذ جبهة تحرير شعب تيغراي، وأطلق مشروعات اقتصادية وعمرانية متعددة، لكنه لم يتمكن من بناء نظام يستوعب الخلافات القومية دون اللجوء المتكرر إلى الحرب. فالحرب في تيغراي، وتجدد المواجهات في أمهرة وأوروميا، والخلافات بشأن توزيع السلطة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، تكشف أنه لم يعالج المشكلات التي أسهمت في اندلاع الاحتجاجات التي أوصلته إلى الحكم.
ويصعب تحميل شخصية آبي أحمد بمفرده مسؤولية هذا الوضع، إذ تمتد جذوره إلى تاريخ تشكل الدولة الإثيوبية، والصراعات القومية، وترتيبات الحكم التي تعاقبت عليها منذ العهد الإمبراطوري حتى النظام الفيدرالي. لكن طريقة إدارته لهذه الملفات أسهمت في تفاقمها خلال السنوات الأخيرة، فقد منحته مركزية القرار قدرة كبيرة على توجيه السياسات الحكومية، بينما وقلصت المساحة المتاحة للتوصل إلى حلول تفاوضية تشارك في صياغتها القوى المختلفة.
وتتجاوز تداعيات هذه الأزمات الحدود الإثيوبية، في ظل تصاعد التوتر مع إريتريا، التي تحولت من حليف عسكري للحكومة الفيدرالية خلال حرب تيغراي إلى خصم تتبادل معه أديس أبابا الاتهامات. وبلغ التدهور في العلاقات ذروته في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، عندما أعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية إغلاق سفارتها في أسمرة، وإعلان 10 دبلوماسيين إريتريين أشخاصًا غير مرغوب فيهم، مع إمهالهم 48 ساعة لمغادرة البلاد، متهمة إريتريا باتباع سياسات عدائية وتصعيدية، ودبلوماسييها بالضلوع في أنشطة تهدد الأمن القومي الإثيوبي. وردت أسمرة بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع أديس أبابا، نافية الاتهامات الموجهة إليها، ومحمّلة الحكومة الإثيوبية مسؤولية تدهور العلاقات بين البلدين.
وقد تصاعدت المواجهة في المناطق القريبة من الحدود، بعد دخول قوات إريترية إلى شمال تيغراي. وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول، أبلغت الحكومة الإثيوبية مجلس الأمن الدولي أنها تتخذ إجراءات للدفاع عن النفس في مواجهة إريتريا، متهمة قواتها بالتوغل داخل الأراضي الإثيوبية ودعم جماعات مسلحة معارضة. وفي المقابل، نفت إريتريا الاتهامات، واعتبرت الحديث عن توغل قواتها محاولة لتبرير عمل عسكري إثيوبي ضدها. وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول، تقدمت القوات الحكومية الإثيوبية ومجموعات متحالفة معها نحو عديغرات، ثم وصلت إلى بلدة زالامبسا الحدودية مع إريتريا.
وتكمن خطورة هذه التطورات في تداخل الصراع في تيغراي مع التوترات المرتبطة بالحرب في السودان، إذ تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم جبهة تحرير شعب تيغراي والجماعات المسلحة المعارضة للحكومة الفيدرالية، بينما تتهم السلطات السودانية إثيوبيا بتسهيل تقديم الدعم والتدريب والإمدادات لقوات الدعم السريع من داخل أراضيها.
وقد امتد التوتر الدبلوماسي إلى مصر، إذ أعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026 الدبلوماسي المصري أحمد محرم سليمان شخصًا غير مرغوب فيه، وأمهلته 48 ساعة لمغادرة البلاد. وردت القاهرة بالمثل، فأعلنت مستشار السفارة الإثيوبية لديها شخصًا غير مرغوب فيه، وأمرته بالمغادرة. وجاء تبادل الطرد في ظل اتهامات إثيوبية لمصر وإريتريا والسودان بدعم التحالف المسلح المعارض، وهي اتهامات نفتها الدول المعنية.
وتزداد الخطورة بالنظر إلى سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، وما أثارته تصريحات آبي أحمد بشأن البحر الأحمر وميناء عصب من مخاوف إريترية، إلى جانب استمرار الخلافات مع مصر بشأن سد النهضة، والتوترات التي شهدتها العلاقات مع الصومال على خلفية مذكرة التفاهم مع أرض الصومال. وتتقاطع هذه الملفات عند مسألة إعادة تحديد دور إثيوبيا الإقليمي، ومدى استعداد الدول المجاورة لقبول الإجراءات التي تسعى أديس أبابا إلى فرضها أو التفاوض بشأنها.
وفي منطقة تعاني من الحرب السودانية والانقسامات الصومالية والتنافس على الموانئ والممرات البحرية، قد يؤدي اندلاع مواجهة إثيوبية إريترية جديدة إلى تفاقم نطاق عدم الاستقرار في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بما يهدد وحدة كل من إثيوبيا وأريتريا، فضلًا عن تهديد حكم آبي أحمد، الذي يراوده حلم الوصول إلى البحر الأحمر، ويرى في الظرف الحالي فرصة لتحقيق طموحاته.
