لا نصر في الأفق: حملة عسكرية على إيران بلا رؤية سياسية
الحملة الجوية الإسرائيلية الأمريكية أحدثت صدمة كبيرة وأظهرت قدرة تدميرية عالية، لكنها لم تنتج حسمًا سياسيًا أو عسكريًا سريعًا، كما كان مأمولًا من جهة واشنطن وتل أبيب، فقد أظهرت إيران قدرة كبيرة على امتصاص الضربة الأولى، وحافظت على قدر من الاستمرارية، كما وسّعت الاشتباك إلى ساحات الطاقة والملاحة واستنزاف المخزونات الدفاعية، فضلًا عن الاستنزاف السياسي، من حيث شرعية الحرب، وتماسك السردية، والقدرة على بناء تحالفات حولها.
وفي المقابل، تظهر مكامن ضعف الحملة الأمريكية في عدد من المؤشرات، أهمها غياب تعريف أو رواية محددة وصلبة للحرب. فالتعريف ينتقل من "منع تهديد وشيك" إلى "تغيير النظام" إلى "تدمير قدرات عسكرية ونووية"، ورغم أن هذا الغموض يعطي القيادة الأمريكية مساحة للمناورة في النقاش حول مفهوم النصر، فإنه يضرب التماسك الداخلي والقدرة على التعبئة السياسية وحشد التأييد الشعبي، وهي عوامل تؤثر بدورها في القدرة على تحمل التكلفة والخسائر.
ضمن هذا السياق، تبدو الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية الظاهرة قائمة على ثلاثة أهداف عملية: الأول، توسيع بنك الأهداف لتقويض القدرة الإيرانية على الاستمرار؛ الثاني، احتواء الأثر الاقتصادي ومنع الحرب من التحول إلى حرب طاقة وملاحة طويلة؛ والثالث، الوصول إلى نهاية سياسية يمكن تسويقها كانتصار، من دون الانجرار إلى حرب برية.
تتحرك إسرائيل ضمن هدف أكبر من إدارة جولة عسكرية، وهو إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالقوة، وتقليص هوامش الفعل لدى خصومها، وإظهار أن الخطوط الحمراء السابقة فقدت قيمتها. وهو هدف يعتمد على الولايات المتحدة في الدفاع والتموين والغطاء السياسي، ولهذا فإن سقف الإنجاز الإسرائيلي يبقى مرتبطًا بقدرة واشنطن على التعبئة للحرب وتحمل التكلفة. ومن هنا تحديدًا تسعى طهران إلى رفع تكلفة الحرب وتوسيع نطاقها إلى عدة مستويات وساحات، أمام عدو سيتفوق في أي مواجهة تُحصر في البعد العسكري فقط.
أما قوة إيران، فتكمن في العقيدة السياسية، والموقع الجيو-اقتصادي، والقدرة على التكيف. فهي دولة كبيرة جغرافيًا، تملك بنية صاروخية ومسيّرة، وتقع عند عقدة مركزية في تدفقات الطاقة العالمية.
ورغم حجم الخسائر التي تتكبدها طهران، فإن نقاط ضعف التحالف الأمريكي الإسرائيلي تظل حاضرة بقوة، وتتراوح بين غياب الرؤية والشرعية السياسية، وضعف التماسك الداخلي الأمريكي، وحساسية الأسواق والبنى التحتية للطاقة والناخب الأمريكي تجاه الكلفة، واعتماد إسرائيل بشكل رئيس على واشنطن في إدارة الحرب، وأخيرًا الاستنزاف المتزايد للذخائر والمخزونات الاستراتيجية.
وإذا وُضعت هذه العناصر كلها في إطار متكامل، فإنها تشكل ضغطًا متزايدًا على بنية دولية مهترئة اقتصاديًا وسياسيًا بالأساس، وفاقدة للقدرة على إعادة ضبط التوازنات وفرض المساومات.
ولذا، لا يبدو أن هناك مخرجًا مربحًا من هذه الحرب إلا بإعلان نصر زائف، فالمسار المفتوح للحرب يعني مزيدًا من الاستنزاف والتورط، وربما الانزلاق في النهاية إلى إرسال قوات برية.
