مقالات

ما الذي يمكن لمصر فعله في حرب غزة؟

بدايةً إنَّ الوزن الخارجي لأي دولة له علاقة وطيدة بتماسكها الداخلي وقوة العلاقة بين نظام الحكم والمجتمع، وكلما حدث تآكل في قوة المجتمع وبرز تعارض بين نظام الحكم وتوجهات الشعب، ضَعُفَ وزن الدولة خارجيًّا مهما تمتعت بموقع استراتيجي ورصيد تاريخي وثقل سكاني.

وفي ظل المجازر الوحشية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، يثار سؤال حول الدور الذي يمكن لمصر فعله دون الاقتصار على المواقف الحاليَّة المُخزية في حقيقتها، التي تفوقها مواقف دول مثل جنوب إفريقيا وكولومبيا اللتان طردتا السفير الإسرائيلي، أو بوليفيا التي قطعت علاقاتها مع إسرائيل.

الموقف المصري الراهن

مع اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر الماضي، شدَّد النظام المصري على رفضه لمخططات التهجير لسكان القطاع إلى سيناء، التي طرحها وزراء ومسؤولون إسرائيليون بما فيهم وزارة الاستخبارات الإسرائيلية. وفي المقابل طرح السيسي مقترحًا صادمًا ينص على الاقتصار على دولة فلسطينية منزوعة السلاح، على أن تفصل قوات من الناتو أو من دول عربية أو غربية بين فلسطين وإسرائيل. كذلك قدم السيسي مقترحًا خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الألماني شولتز بتهجير أهالي غزة إلى صحراء النقب لحين الانتهاء من القضاء على المقاومة الفلسطينية حسب تعبيره.

أما الموقف الأدهى فهو التزام مصر بنقل المساعدات التي تصلها من أنحاء العالم إلى غزة عبر معبر رفح بعد موافقة إسرائيل وفحصها لها أولًا، وهو ما امتد ليشمل نقل الجرحى للعلاج بعد تسليم قوائم بأسمائهم لإسرائيل والحصول على إذن منها، مما ساهم في مضاعفة معاناة أهل غزة، فقد بدأ أهلها يعانون مجاعة، فيما لا يجد الجرحى الذين ناهز عددهم 60 ألف شخص أماكن للعلاج مع تدمير وحصار المستشفيات ونفاد الأدوية، بينما لم تستقبل مصر سوى أقل من 450 جريحًا سافر أغلبهم لاحقًا للعلاج في تركيا والإمارات وقطر.

تتبنى مصر سردية تزعم خلالها أنَّها لم تغلق معبر رفح أبدًا، لكن المشكلة في الطرف الآخر بحسب وزير الخارجية سامح شكري، وذلك رغم أنَّ الطرف الآخر الفلسطيني يطالب بفتح المعبر دون انتظار تعليمات إسرائيل.

إنَّ تنظيم المرور من معبر رفح لا علاقة له باتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، إذ لا يوجد ما ينظمه ضمن بنودها، وكان المرور عبره خاضعًا قبل الحرب الأخيرة لتنسيق مصري فلسطيني فقط، وذلك بعد أن انهارت “اتفاقية التنقل والعبور” الموقعة عام 2005 عقب الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وذلك إثر سيطرة حماس على القطاع عام 2007، وانسحاب بعثة الاتحاد الأوروبي  (EUBAM)التي كانت تشرف على مراقبة المعبر، مما ترك إدارة المعبر بين غزة والقاهرة فقط.

تتحجج مصر بأنَّ إدخال المساعدات أو إخراج الجرحى دون تنسيق مع إسرائيل سيؤدي إلى قصف الجيش الإسرائيلي للمعبر مثلما فعل أربع مرات في بداية الحرب مما أدى إلى إصابة 4 موظفين مصريين، وهو ما يعكس ضعف الموقف المصري قبل أي شيء في مقابل تجاوزات إسرائيل.

بجوار ما سبق ترفض مصر استدعاء سفيرها في تل أبيب أو تجميد العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل، واكتفت بالانخراط بطلب من واشنطن في مفاوضات مع حماس بالتنسيق مع قطر للوصول إلى اتفاقية جزئية لتبادل الأسرى وعقد هدنة إنسانية مؤقتة لبضعة أيام انتهت بنهاية نوفمبر الماضي.

يترجح أنَّ النظام المصري يفاوض على موقفه الملتزم بالتوجيهات الإسرائيلية في تشغيل المعبر، وهو ما بدأ يجني ثماره مع إعلان الاتحاد الأوروبي على لسان رئيسة المفوضية الأوروبية تسريع جهود تقديم 9 مليار يورو كمساعدات لمصر، وكذلك حديث مديرة صندوق النقد الدولي عن دراسة زيادة محتملة لبرنامج القروض لمصر بحُجة مواجهة الصعوبات الاقتصادية الناجمة عن الحرب على غزة، وهو ما سيمثل جرعة إنقاذ مؤقتة للاقتصاد المصري المتدهور.

ما الذي يمكن لمصر عمله في ظل المعطيات الحاليَّة؟

توجد مساحات واسعة بين الخنوع والتصعيد الحاد الذي يتطلب تماسكًا داخليًّا، ووضعًا اقتصاديًّا مختلفًا غير غارق في الديون، فضلًا عن تجنب الارتهان لقوى إقليمية تملك ما لا يقل عن 28 مليار دولار من الاحتياطي النقدي المصري البالغ 34 مليار دولار. ومن بين الإجراءات الممكن لمصر تنفيذها حاليًّا لتخفيف المعاناة في غزة دون الوصول لحرب مع إسرائيل:

  • فتح معبر رفح مع غزة لإخراج الجرحى للعلاج، وإدخال المساعدات دون انتظار موافقة إسرائيل مع تشكيل فريق حماية دولي متعدد الجنسيات من النشطاء الراغبين في مساندة أهل غزة، بدلًا من القبض على النشطاء وترحيلهم من البلاد مثلما حدث مع 4 منهم في الأيام الماضية عقب تنظيمهم لوقفة أمام وزارة الخارجية بالقاهرة للمطالبة بالسماح لهم بدخول غزة.
  • بحث تشكيل قوة حماية عسكرية من دول عربية وإسلامية وأوروبية ولاتينية وبالتنسيق مع روسيا والصين، لتأمين دخول المساعدات بشكل دائم دون العمل وفق التوجيهات الإسرائيلية.
  • السماح باحتجاجات شعبية واسعة في القاهرة أمام مقار سفارات الدول الأجنبية الداعمة للعدوان، وكذلك في المدن الكبرى، لإبراز حجم الغضب الشعبي الواسع، وذلك دون اعتقال المتظاهرين والتنكيل بهم.
  • التراجع عن نهج تهجير سكان رفح المصرية وإعادة إعمار المنطقة الحدودية وإلغاء المنطقة العازلة وغض الطرف عن الأنفاق وما ينقل عبرها مع رصد ما يدخل من خلالها، مثلما كان الوضع في عهد مبارك.
  • الضغط على الولايات المتحدة لوقف العدوان والتلويح بتضرر العلاقات معها، والتنسيق لذلك مع تركيا وقطر والأردن والدول الأخرى المنددة بما يحدث من مجازر مثل أيرلندا وبلجيكا وإسبانيا.

بجوار ما سبق توجد خُطوات أخرى داخلية ذات دلالة، من قبيل الإفراج عن المعتقلين السياسيين وإسكات الأصوات الإعلامية التي تهاجم أهل غزة والمقاومة وتدعم التطبيع والبدء في إجراءات انفتاح سياسي.

إنَّ الوضع الحالي هو نتاج ومحصلة لسياسات النظام المصري خلال السنوات العشر الماضية، التي أفقدت البلاد عمقها الاستراتيجي السكاني في الشرق، وتوشك أن تفقد عمقها الاستراتيجي في غزة، مما يجعل القاهرة مكشوفة أمام أي عدوان مستقبلي، وهو ما يضاف إلى التفريط في مياه النيل والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير والتراخي في التعامل مع الأزمة في السودان، مما قاد مصر للوقوع في قلب طوق من الأزمات العميقة، يتجاوز حدود التبرير بغفلة السلطة عن حفظ الأمن القومي للبلاد، ويدرج ما يحدث تحت بند التواطؤ والتفريط. ولذا قد يقول الكثيرون إنَّ المقترحات أعلاه مغرقة في التفاؤل في ظل ارتهان الموقف المصري لأطراف إقليمية ودولية واستمداده شرعيته من الحفاظ على أمن إسرائيل، وهم محقون في ذلك تمامًا، لكن هذه الاقتراحات موجهة بالأساس لمن يتساءلون ما الذي يمكن لمصر تقديمه دون الانخراط في حرب مباشرة مع إسرائيل.

أحمد مولانا

ماجستير علاقات دولية، باحث في مجال الدراسات الأمنية والسياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى