استراتيجيمقالات

تصور عملي لما ينبغي على الإسلاميين فعله لمواكبة طوفان الأقصى وعلاج إشكالاتهم العميقة؟

أشرت في مقال سابق إلى بعض تداعيات معركة طوفان الأقصى المباركة على الحالة الإسلامية في مصر، وما يتعلق بحاضرها ومستقبلها، فيما يشبه تشريح الواقع أو تحديد بعض مواطن الضعف والقوة فيه، وكذلك بعض الفرص والمهددات المتوقعة والمحتملة، لكن تشخيص الداء وإن كان هو جزء من العلاج؛ إلا أنه يبقى قاصراً إن لم يوصف الدواء الممكن أو المتاح.

وإن كان طوفان الأقصى قد فاض على المنطقة بأسرها وخاصة دول الطوق منها، إلا أن منابعه تبقى هناك، في غزة، فناسب أن تكون البداية من هناك، ويزيد الأمر وجوباً ذلك المتغير الجديد المتمثل في بدء العدو لمرحلة جديدة باغتيال القادة كنوع من الثأر والانتقام من جهة، ولإضفاء صورة أي نصر على عمليته الفاشلة حتى الآن على الأقل، إذا حاكمنا النجاح النهائي إلى الأهداف الأولية؛ كما تهدف هذه المرحلة إلى إقصاء العناصر الفاعلة القوية والمؤثرة في معادلة الصراع.

جاءت عملية اغتيال العميد بالحرس الثوري رضي موسوي في سوريا كضربة موجعة لإيران الداعمة لحماس، وتلتها بعد أيام قليلة عملية اغتيال قائد الضفة الغربية وأحد عرابي التوافق الوطني الفلسطيني وصاحب نظرية “وحدة الساحات” القائد القسامي صالح العاروري، وإن كانت تلك النظرية العملية الفاعلة- وحدة الساحات- قد أثمرت طوفان الأقصى؛ فمن الواجب من وجهة نظري تطوير تلك النظرية لتنتقل إلى فكرة جديدة، وهي “توسيع الساحات”.

وأعني بتوسيع الساحات تدشين بؤر حمساوية هادئة وقابلة للنمو في كل الدول المحيطة بفلسطين والأقرب لقطاع غزة كمصر، لتخفيف الضغط الخانق على حماس من جهة، ولتطوير مواجهة الأمة للعدوان عليها ككل، وخاصة مصر، إذ يعد قطاع غزة هو عمقها الاستراتيجي الجيوسياسي الشرقي، والحاجز بينها وبين أخطر عدو استعماري يحمل لها عداوة تاريخية لا تنتهي.

وهذا الطرح وإن كان يختلف عن استراتيجية حماس التأسيسية بالبعد عن تحمل أعباء إقليمية لا تتحملها القضية الفلسطينية لخصوصيتها؛ إلا أنه من الضروري -كما يبدو لي- تغيير تلك الاستراتيجية، لا لبعثرة النضال والمقاومة في الخارج؛ وإنما لخدمة الداخل مع تجنب الاشتباك والاستفزاز لأنظمة الدول المحيطة، وكذلك عدم تحمل تبعاتها، وأخص بالذكر مصر، مع فصل البؤر المقاومة الجديدة عن جماعة الإخوان المسلمين بشكل كامل، وأي تنظيم أو جماعة أخرى قديمة كالجماعات الجهادية مثلاً، بحيث لا تبقى لمن ينتمي إلى هذه التكتلات النضالية الجديدة أية صلة بانتماء أو تصنيف أمني سابق.

ويحتاج العمل لتحقيق هذه الرؤية في مصر اهتماماً خاصاً بالقطاع السيناوي من قادة التيار الإسلامي توجيهاً، وشبابه تواصلاً وتنسيقاً، وأعني بالتوجيه والتنسيق العمل الواعي الأهلي المنظم دون إزعاج أو تصادم مع النظام الأمني قدر الإمكان، على أن تكون الفكرة المحورية هي إحياء قضية فلسطين وإبقاءها في دائرة الوعي كقضية محورية للأمة يصلح الالتفاف حولها؛ هدفها واحد وعدوها واحد دون تعجل.

كما أنه من الضروري التنسيق مع هذه الفئة المهمة من أبناء مصر، وتوطيد الصلة بها كخط دفاع أول عنها في أي نازلة أو متغير سياسي أو عسكري، وكحلقة وصل عملية وبيئة قبلية وعنصر بشري صلب وقريب الشبه بل وصلات الدم العائلية بأهالي غزة كما هو معلوم.

كما ينبغي على القوى الإسلامية بشكل عام البدء في تصعيد العمل الدعوي والفكري والتنظير الشرعي في عموم البلاد بشكل متدرج وهادئ، وتبادل قدر من الضغوط مع النظام لا تؤدي لاستئصال العمل، وإنما تستطيع أن تكفل مساحات من العمل مهما كانت محدودة.

ومن ذلك ترتيب وتعزيز العمل الإعلامي خاصة على وسائل التواصل ليصبح مؤثراً ومتكتلاً بشكل مؤسسي شامل، ينضوي تحته كل صور الهجوم والدفاع الدعائي والإخباري والمعلوماتي بل وصد هجمات القرصنة الإلكترونية بل والقدرة على شن ما يلزم منها إن اقتضى الأمر.

وأخيراً لابد من إعادة هيكلة مجموعات العمل الإسلامي بمضامين جديدة ووجوه شابة تتجاوز القديم بأسمائه ومسمياته حتى لو اعتبر ذلك “أناركية سياسية” أو “لوثرية إسلامية” وهو لفظ اقتبسه من بعض الخصوم الذين وصفوا الشباب الإسلامي التجديدي والثائر به إبان ثورة يناير المجيدة.

فلابد من أن تفرز التجربة قياداتها والأحداث أولوياتها، في صورة قيادات مؤهلة بكافة العلوم والثقافات الحديثة والعلوم الاجتماعية كالسياسة والأنثروبولوجيا والاقتصاد والإعلام وفنون توجيه الجماهير خاصة، وعدم الاكتفاء بالعلوم الشرعية التقليدية فحسب، بل جمع هذه إلى تلك طالما كان في ذلك نفع هذه الأمة وهذا البلد ومصلحة أهله.

كما لابد أن تخط خطوطها العملية في تكوين مجموعاتها الفاعلة والتفريق بينها حسب أنشطتها؛ بحيث لا تتعرض للتحجيم أو الاستئصال جملة واحدة، وهذا يتطلب محدودية تلك المجموعات، وعدم انتظامها كجماعة أو تنظيم ممتد ذو قيادة مركزية إلا في دائرة القادة النافذين أنفسهم، واعتماد نظام النقطة صفر في كل تكتيكاتها لكي يتوقف عندها أي استهداف محدود لمجموعة معينة، بينما لابد أن يمتاز المسار العام لتلك المجموعات بالمرونة الحركية والفكرية طالما بقيت في الإطار العام الذي تبث أدبياته وقوانينه وقواعده المنظمة في كل الوسائل المتاحة كتوعية عامة يدور الجميع في أفلاكها.

وأخيراً فلابد من كتابات تنظيرية ودراسات واقعية لكيفية نشأة وتنظيم وحركة المقاومة الفلسطينية بتنظيماتها المختلفة، وفي ظل ظروف عصيبة استطاعت فيها الاستمرار متخذة خيار “الصبر مع الألم” والذي “تجرعت فيه السم” مراراً في محاولة ضبط النفس والإحكام بين التروي وكف الأيدي من جهة، والحفاظ على روح القتال والجهاد والاستعداد لليوم الموعود من جهة أخرى.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

خالد سعيد

سياسي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى