استراتيجيدراسات

تجدد الثورة السورية ومتطلبات التمثيل السياسي الفعال

إنَّ الدوافع التي شكلت قضية الثورة السورية وأطلقت شرارتها ما زالت حاضرة لم يُعالج منها شيء، بل ازدادت عمقًا واحتقانًا، فارتفعت نسب الفقر والبطالة، واشتدت الفاقة، وتعاظمت الطائفية والعنصرية، وتراكمت الإدانات الدولية لجرائم الأسد، وظهرت دوافع أخرى جديدة لم تكن حاضرة من قبل عند البدايات في مقدمتها التواجد الروسي والإيراني، حيث يتركز نفوذ روسيا على الساحل غرب سوريا، في حين تنتشر المليشيات الإيرانية شرق البلاد قرب الحدود مع العراق، ويتقاسم كلا الطرفين الوجود داخل دمشق وحلب سواء عسكريًّا أو اقتصاديًّا أو تجاريًّا.

ومع الوقت، تحول التدخل الروسي والإيراني في سوريا إلى فرصة لنهب الموارد وسلب الثروات، إذ منح الأسد سنة 2018 عقدًا لشركة روسية تمكنها من استخراج الفسفات مقابل أن تحصل هذه الشركة على 70% من عائدات الفوسفات المستخرج بسوريا لمدى 50 عامًا.[1] وفرضت روسيا سيطرتها على حقل شاعر للغاز شرق محافظة حمص، وحقل «الثورة» النفطي وحقل «توينان» للغاز شمال شرقي سوريا، وحقل التيم وحقل الورد في ريف البوكمال.[2]

في المقابل، تمسكت إيران بسيطرتها على مناجم الفوسفات في ريف تدمر وحقلي «الحسيان» و«الحمار»  النفطيين بريف البوكمال منذ عام 2017، وسيطرت أيضًا على جزء من السوق السورية في مجال الإلكترونيات والأدوية، وافتتح الإيرانيون مجمعًا ترفيهيًّا في دمشق في مارس 2021، وأقاموا مراكز لنشر التشيع شرق سوريا، كما بنوا مركزًا تجاريًّا من 12 طابقًا في قلب العاصمة كي تتمركز فيه 24 شركة إيرانية.[3]

وفي ظل هذا التدخل الأجنبي الفج والنهب المتواصل للموارد يشهد سكان سوريا الآن أعظم أزمة اقتصادية وإنسانية في تاريخهم، حيث يعيش ما يقرب من 80% من السوريين تحت خط الفقر، أغلبهم تحت خط الفقر المدقع، ويعاني نحو 12.1 مليون شخص في سوريا (أي أكثر من نصف عدد السكان) انعدام الأمن الغذائي، مما يجعل سوريا من بين البلدان الستة التي تعاني أعلى معدلات انعدام الأمن الغذائي في العالم. [4]

ويشهد الاقتصاد السوري أزمة حادة بسبب تضخم العملة السورية، حيث وصل سعر الدولار الواحد الآن إلى 14.700 ليرة، بعد أن كان سنة 2011م قريبًا من 50 ليرة فقط، أي أنَّ قيمة الدولار الأمريكي الواحد قد زادت أمام الليرة منذ اندلاع الثورة بـ 290 ضعفًا، وهو ما يعني تضاعف أسعار السلع الغذائية والدوائية والخدمات مقارنة بثبات الدخل والأجور، ولا يكاد راتب الموظف الحكومي في سوريا الآن يكفيه يومًا واحدًا. [5]

إضافة إلى ما سبق فإنَّ المأساة الأكبر التي تسبب فيها الأسد ليست في الاقتصاد، بل في العدد المهول للضحايا الذين فقدوا حياتهم أو حياة أقربائهم في عمليات القصف ومجازر التصفية الجسدية وسجون التعذيب، فبحسب تقارير الأمم المتحدة والمرصد السوري لحقوق الإنسان والشبكة السورية؛ قتل نظام الأسد أكثر من نصف مليون إنسان، منهم ما يقرب من 100 ألف قتلوا تحت التعذيب، ولا يزال مصير 200 ألف تقريبًا من المعتقلين مجهولًا لا يعلم عنهم أقرباؤهم شيئًا منذ سنوات، من بينهم الآلاف من النساء والأطفال، وهُجر قسريًّا ما يقرب من 14 مليون ساكن أي أكثر من نصف عدد مواطني سوريا، ودمر أكثر من 40 % من البنية التحتية في البلاد.[6]

وسجل تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان منذ مطلع عام 2014 حتى مارس 2024 ما لا يقل عن 4643 حالة اعتقال لعائدين من اللاجئين والنازحين، على يد قوات النظام السوري، تحوَّل 1518 منهم إلى مختفين قسريًّا. [7]

القضية السورية وجدوى إحيائها

كثيرًا ما تحظى الثورات بقضية ملهمة لكنها رغم ذلك لا تحقق النصر، أحد أهم أسباب الإخفاق هو أنَّ الثوار يعجزون عن استثمار القضية وتعزيزها ووضعها في إطار رؤية سياسية فعالة، ويسمحون للنظام بعزلهم سياسيًّا واجتماعيًّا من خلال التبريرات السياسية التي يقدمها.

انطلاقًا مما ذكره روبرت تابر في هذا الاقتباس، نفهم أنَّ جوهر الثورة المسلحة وهدفها النهائي سياسي بامتياز. وقد اتفق منظرو الحروب الثورية أنَّ الرؤية السياسية بالنسبة للثوار ضرورية للحصول على الدعم الشعبي، فمن خلالها يقدم الثوار مشروعًا بديلًا عن النظام القائم، بحيث يشمل هذا المشروع المطالبَ الشعبية الداخلية ويخاطب المجتمع الدولي.

ومن دون هذه القضية تصبح الحرب الثورية اعتباطية وعقيمة، وستستمر إلى ما لا نهاية، لأنَّ هدف الثوار وقتها سيكون هو الحرب لمجرد الحرب، وستصبح الثورة مجرد عملية هدم وثأر وتشفّي في دائرة مفرغة لا بناء فيها. هذه الرؤية هي التي تقنع الجموع الشعبية بجدوى التغيير، وفقْدها يعني خسارة نسبة كبيرة من الدعم الشعبي، اللهم إلا بعض المكونات الشعبية التي ستشارك في الثورة فقط لمجرد الغضب والثأر. ويعني أيضًا فَقْدَ الحلفاء الدوليين، اللهم إلا من أراد استعمال الثوار فقط لإلهاء خصومه الدوليين وإرباكهم.

لذا فإنَّ القضية الثورية لا تؤتي ثمرتها ما لم تنبثق عنها رؤية سياسة واضحة، وهذه هي الخطوة الأولى، وإنَّ هذه الرؤية لا تؤتي أكلها إلا بعد نشرها وترويجها وتعزيزها بأدوات الدعاية والإعلام والدبلوماسية والتربية، وهذه هي الخطوة الثانية.

الخطوة الأولى: صياغة الرؤية

بناءً على ما سبق، إنَّ أول خطوة في مسار تصحيح الثورة السورية بعد ركودها واستثمار قضيتها الثورية الملتهبة هي وضع رؤية سياسية واضحة وتدوينها في ميثاق عام تتفق عليه القوى العاملة شمال غرب سوريا باعتبارها الممثل المتبقي الوحيد للثورة، ويشترط في تلك الرؤية أن تبنى على المحاور التالية:

  1. ما هويتنا؟ أي من نحن وكيف نعرِّف أنفسنا؟ من العدو؟ ولماذا نعاديه؟ ومتى بنظرنا ستنتهي الحرب؟ هل ستنتهي بخروج القوات الأجنبية أم بسقوط الأسد أم سقوط العائلة الحاكمة أم الطائفة بأسرها؟
  2. كيف نتعامل مع دول الجوار؟ وما طريقة التعايش مع المنظومة الدولية ومؤسساتها مثل الأمم المتحدة؟ وكيفية التعامل مع المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية بمختلف اختصاصاتها؟
  3. كيفية التعامل في المستقبل مع بقية أطياف المعارضة؛ الإسلامية منها والعلمانية.
  4. ماذا نريد من الصحافة والإعلام المحلي والإقليمي والعالمي؟
  5. ماذا نريد من القوى الكبرى؟

لابُدَّ أن تتضمن هذه الرؤية نقضًا للحجج السياسية التي يعلنها العدو لإضفاء الشرعية على ممارساته القمعية، وللشبهات التي تثار حول شرعية الثوار (مثل مسألة الإرهاب والأقليات)، وينبغي أن تكون الرؤية شاملة لكل الجوانب الدينية والسياسية والاقتصادية والأمنية والخدمية، بحيث يجدُ كل صنف من الشعب مكانه فيها.وبحيث تضع مقترحًا ملائمًا لانتقال السلطة في الدولة الجديدة إذا ما سقط نظام الأسد، وكيف سيجري في النظام الوليد ضمانُ الحريات الإنسانية للأقليات والمرأة والصحافة والمعارضة السياسية، وبناء العلاقات الدولية، وتطوير الحركة العلمية والصناعية، وتوفير التنمية الاقتصادية وفرص التعليم والمرافق الصحية والخدمية، ورفع المظالم، ومكافحة الفساد الأخلاقي والمالي، وتحسين النظام القضائي، وتبييض السجون، واستثمار الثروات الطبيعية في مصالح الشعب لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وإعادة الإعمار، وعودة اللاجئين والمهجرين وما إلى ذلك.

لكن هل يمكن أن يضع الثوار رؤية فيها كل ما سبق بالتفصيل الممل؟

طبعًا لا، كل ما يطلب منهم في مرحلة الحرب أن يضعوا بنودًا عامة فقط، وأطرًا تمكنهم من حشد الشعب ومخاطبة الجهات الدولية والحقوقية، وبناء لُحمة ووحدة داخلية، تمامًا كما تفعل الأحزاب السياسية في حملاتها الانتخابية عندما تضع شعارات عامة ووعودًا تمكنها من تنظيم الحملات الانتخابية، أما التفاصيل فإنَّها تأتي بعد تحقيق النصر.

وإنَّ صياغة مثل هذه الرؤية، يحتاج أولًا اقتناع قادة الثورة بضرورة وجودها، فإنَّ هذا بحد ذاته تحدًّ كبير، يحتاج تضافرًا من أصحاب الرأي والمفكرين والعقلاء لتغيير القناعات القديمة وتشجيع القادة على التجديد، وبعد القناعة لا يمكن لهذه الرؤية أن توضع من العدم، ولا يمكن للقادة المنهمكين في التنفيذ والغارقين في الأحداث اليومية أن يبنوها، بل لا بُدَّ من صناعة المؤسسات المختصة القادرة على صياغتها مثل مراكز الأبحاث والدراسات ولجان التخطيط وورشات الحوار وهيئات المشورة ومنظمات الفكر ومجلات الرأي وما إلى ذلك.

الخطوة الثانية: إيجاد الأدوات اللازمة لنشرها وترويجها

إذا ما اكتملت صياغة الرؤية المنبثقة من القضية السياسية، فإنَّها ستحتاج لأدوات عملية تنشرها وتوضحها وتدعوا إليها، ولعلنا نذكر هذه الأدوات في النقاط التالية:

الأداة الأولى: وسائل الإعلام

 لن يحقق الثوار الفائدة المرجوة من رؤيتهم السياسية ما لم يجدوا طرقًا فعالة لإيصال هذه الرؤية إلى جماهيرهم بمختلف تنوعاتهم السياسية والمناطقية والمهنية والدينية. ينشر الإعلام الرؤية السياسية إلى جانب نشر إنجازات مؤسسات الثورة ونجاحاتها العسكرية والسياسية والخدمية والاجتماعية والاقتصادية، مع التركيز على نقاط ضعف حكومة الأسد وعيوبها وفسادها وممارساتها الإجرامية.

لكن هل كثافة وكثرة المواد الإعلامية تعني أنَّ الخطاب يؤثر فعلًا في الجماهير؟ طبعًا لا، إذ إنَّ التأثير الدعائي لا ينطلق من الزخم فقط بقدر ما يعتمد على مجموعة من الخصائص الأخرى، مثل:

  • مراعاة أولويات الصراع، فلا ينبغي للإعلام أن يلتهي بالمسائل الفرعية على حساب الأولويات، ولا ينبغي أن يُنقل الخبر فقط لمجرد الإخبار.
  • استهداف كافة مكونات الجماهير في الداخل والخارج، بمختلف تخصصاتهم وأديانهم وأعراقهم وقبائلهم وأعمارهم وأجناسهم…إلخ، فكلما كان الخطاب بعيدًا عن التضييق العرقي أو الأيديولوجي كانت الثورة أكثر قوة.
  • ملامسة حاجيات ومطالب الشعب، التي تدور عادة حول: الدين والفقر والتعليم والبطالة والحرية والحقوق والتنمية الاقتصادية والشرف…إلخ. 
  • استخدام وسائل دعائية في متناول الجمهور المستهدف، فعادة ما تختلف وسائل الدعاية الفعالة من شعب إلى آخر. في أفغانستان مثلًا أكثر وسائل التواصل التي تربط الثورة بالشعب هي الإذاعة، بينما في سوريا يأتي الفيسبوك والواتساب كأكثر الوسائل المستخدمة شعبيةً.
  • مواكبة الأحداث باستمرار، بحيث يوضح الثوار للجماهير دوافع القرارات التي يتخذونها، ويردُّون على التهم والشبهات التي يثيرها الأعداء ورجال الثورة المضادة، ويعلقون على تصريحات السياسيين سلبًا وإيجابًا.

الأداة الثانية : الدبلوماسية

 لكن المشكلة التي تعانيها الثورة السورية، هي انفصال صانع الحدث عن الممثل السياسي في الخارج، فأبرز من يصنع الحدث ويمثل الثورة في الداخل هي حكومة الإنقاذ وهيئة تحرير الشام وحلفاؤها من الفصائل العسكرية، أما من يمثله في الخارج فهي الحكومة المؤقتة وما شابهها من المنصات السياسية التي جرى تشكيلها من المعارضة السياسية، وبين هاتين الجهتين تضارب في الرؤى والأهداف وتنافس شرس على الشرعية.

ولعلاج هذا الإشكال، هناك ثلاثة مسارات لا رابع لها: الأول: أن تنشئ القوى الثورية شمال غرب سوريا نوعًا من الشراكة والوفاق مع الكتل السياسية في الخارج، وهذا مسار مستبعد لعدة أسباب؛ لعل أهمها أنَّ القوى السياسية في الخارج منقسمة ومترهلة وتفتقد للوحدة، إضافة للاختلافات الأيديوليجة المتأصلة بين الطرفين. والمسار الثاني أن تنظم القوى السياسية في الخارج نفسها وتعيد إيجاد موطن قدم لها في الداخل وترتبط من جديد بالقوى العسكرية على الأرض، وهذا مسار مستبعد أكثر من سابقه؛ لأنَّ القوى العاملة على الأرض الآن لن تقبل الوصاية ولن تسلم المقود لأطراف خارجية فقدت الثقة فيها منذ زمن بعيد.

أما المسار الثالث، وهو المسار الأقرب للتطبيق، أن تصنع حكومة الإنقاذ بشكلها الحالي -أو بحلة جديدة تختارها لنفسها خروجًا من التصنيف- ذراعًا سياسية تمثل الثورة وتزاحم الأطراف السياسية في الخارج وتفرض نفسها كممثل وحيد للقوى العاملة على الأرض، بل وتجعل العالم مضطرًا للتعامل معها باعتبراها امتدادًا حصريًّا لمن يصنع الحدث شمال غرب سوريا. وإنَّ هيئة تحرير الشام تواجه الآن نفس المشكلة التي واجهتها “جبهة التحرير الوطني الجزائرية”[9] سنة 1955، فجبهة التحرير وقتها كانت هي صانع الحدث في الجزائر، وهي التي تنظم كل الأعمال العسكرية والخدمية والاجتماعية داخل البلاد، أما في الخارج فكانت السيطرة لحزب الحركة الوطنية بقيادة الزعيم التاريخي مصالي بالحاج[10] باعتبراه مناضلًا قديمًا قبل وجود جبهة التحرير بـ 20 سنة.

أعلنت جبهة التحرير عشية إطلاقها الثورة عن استعدادها لضم كل الحركات الجزائرية في الخارج، ووجهت رسالة لمصالي بالحاج للانضمام لها، لكن مصالي جعل نفسه وصيًّا على الثورة، ورفض الانخراط في جبهة التحرير، وبدأ يركب موجة الأعمال العسكرية ويستثمرها في الخارج في حين أنَّه لا يصنع منها شيئًا، فما كان من جبهة التحرير إلا أن شكلت مجموعة من شبكات الدعم في الخارج تزاحم شبكات مصالي بالحاج، وخلال سنتين من الصراع السياسي -والعسكري[11] أحيانًا- وطدت هذه الشبكات علاقاتها بالجزائريين والمنظمات والحكومات في الخارج، وفقد مصالي بالحاج شرعيته، ليس لأنَّه لم يكن يملك ثقلًا في الخارج، بل لأنَّه لم يملك صناعة الحدث في الداخل، والعمل السياسي إن لم يكن مستندًا على قوة عسكرية فلا قيمة له.[12]

مشكلة هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ الآن مركبة من شقين:

أولًا أنَّ نشاطها الدبلوماسي محدود للغاية، ولا يُعد أن يتعلق بالتنسيق لتسهيل عمل القوات التركية أو لترتيب بعض الصفقات التجارية وما إلى ذلك من الأعمال التي لا ترتقي لمستوى التمثيل الدبلوماسي الفعال.

أما الشق الثاني فيتمثل في كون إدارة الشؤون السياسة (وهو الجهاز الذي من المفترض أن يكون متفرغًا للعمل الدبلوماسي) تحمل على عاتقها مسؤولية الإشراف على أنشطة داخلية متعددة، يثقل أداء حق واحد منها، فكيف إذا جعلت جميعها في مؤسسة واحدة؟ بالإضافة لمشكلة الوضع الأمني لمسؤولي إدارة الشؤون السياسة والتي تمنعهم من الظهور الإعلامي الفعال. إنَّ المشكلة مركبة، ولا يمكن لبحث واحد أن يستوعب جميع الحلول، لكن لعلنا نقترح بعض الأفكار المساعدة على الإصلاح:

  1. إيجاد مؤسسة متفرغة للعمل الدبلوماسي، مثل وزارة خارجية أو هيئة سياسية، لا علاقة لها بأي نشاط في الداخل، يقوم عليها أشخاص متحررون من القيود الأمنية، ينظمون الفعاليات باستمرار، يظهرون على الإعلام ويمثلون الثورة في المحافل والمناسبات، وينقلون للجماهير الرؤية السياسية التي جرى الحديث عنها فيما سبق.
  2. تأسيس شبكات لوجستية ترتبط بالمهاجرين السوريين في الخارج، وتعيد ربط العلاقات معهم، وتحاول تفعيل طاقاتهم وتسخيرها بما يخدم القضية الثورية، وينبثق عن هذه الشبكات منظمات حقوقية وإنسانية ترعى أحوال السوريين في الخارج، وتجمع الدعم، وتنظم الفعاليات والأنشطة والبرامج التي تعزز من علاقة الأطراف الخارجية بالداخل.

الأداة الثالثة: التربية والتعليم

وهذه من أهم الأدوات التي يرجى منها بواسطتها الرؤية السياسية وتعزيزها، فهي الأداة التي تنقل رسالة الثورة من جيل إلى جيل، وتجعلها ممتدة عبر الزمن. وباعتبار أنَّ المؤسسات التربوية والتعليمية أصبحت الآن تحت إشراف حكومة الإنقاذ، فيمكن استثمارها في خدمة القضية من خلال عدة مسارات من بينها:

  1. تعزيز المناهج بملامح الرؤية السياسة للثورة بحسب مستوى الطلبة، وإيجاد المناهج الاختصاصية التي تدرس تاريخ الثورة وتوضح رسالتها وأهدافها، كما كان يفعل نظام الأسد بتدريسه لمادة القومية.
  2. تصميم برامج التوجيه التي تتخلل الفصول الدراسية مثل: الرحلات الكشفية والأناشيد الصباحية والدورات الصيفية وما إلى ذلك.
  3. تأسيس المنظمات الطلابية التي ترعى الأنشطة الشبابية ومواهب الطلبة، مثل اتحادات الطلبة، ونوادي القراءة، وصالونات الفكر وما إلى ذلك، ويمكن الاسترشاد هنا بتجربة حماس في غزة فإنَّها عميقة الخبرة في هذا الباب.

الشكل رقم (13): الرؤية السياسة وأدوات تعزيزها ونشرها

الختام

إنَّ القضية المتقدة هي التي تصنع الانتفاضة، والقضية لا بُدَّ لها من دوافع اجتماعية واقتصادية وسياسية تعززها، مثل تدني الأجور وقمع الحريات والتعذيب والإخفاء القسري، ولقد كانت كل هذه الدوافع موجودة في سوريا منذ عهد الأسد الأب واستمر وجودها مع الابن، وهي التي أطلقت الانتفاضة سنة 2011، وما زالت موجودة حتى الآن، بل تعززت مع الوقت وتراكمت وأضيف إليها الاحتلال الأجنبي وما تزامن معه من مجازر ونهب للثروات، وزيادة في نسب الفقر والبطالة، وإنَّه لممكن جدًّا إعادة إحياؤها الآن وبعثها من جديد، لكن ذلك يتطلب من قيادة الثورة في المحرر عدة خطوات:

  • أولًا: صياغة الرؤية السياسة التي ترتكز على هذه القضية وتكون منطلقًا لتأطير هوية الحركة الثورية وأهدافها وبرامجها.
  • ثانيًا: إيجاد الأدوات الدعائية والدبلوماسية والتربوية والتعلمية اللازمة لتسويق هذه الرؤية في الداخل والخارج وتعزيزها بين أجيال الأمة المتعاقبة.

إنَّ أخذ القوى الثورية شمال غرب سوريا بهذه الخطوات، سيساعد في تحمل استحقاق الحرب التي تلوح في الأفق في حال تغير التوازنات الدولية في الشرق الأوسط.


[1] عمرو حسن، التدخل بات احتلالًا..روسيا وإيران يتقاسمان النفوذ والثروات في سوريا..موسكو تعتمد لغتها بالمناهج الدراسية وطهران مشرفة على التعليم، مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية، 21 – 6 – 2021، (www.asharqalarabi.org.uk).

[2] انظر: جلال بكور، السيطرة الروسية على حقول النفط في سورية: منافسة لإيران وحماية لها، العربي الجديد، 15/3/2021، (www.alaraby.co.uk).

[3] عمرو حسن، التدخل بات احتلالًا..روسيا وإيران يتقاسمان النفوذ والثروات في سوريا..موسكو تعتمد لغتها بالمناهج الدراسية وطهران مشرفة على التعليم، مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية، 21 – 6 – 2021، (www.asharqalarabi.org.uk).

[4] برنامج الأغذية العالمي، (https://ar.wfp.org/countries/syria-ar).

[5] على سبيل المثال يتقاضى الأستاذ الجامعي في دمشق الآن 700 ليرة سورية، أي ما يعادل 50 دولار تقريبًا، وهو راتب زهيد جدًا لهذه المهنة مقارنة بالدول الأخرى، أو مقارنة بحكومة الإنقاذ في إدلب التي يتقاضى المدرس الجامعي فيها ما يقرب من 500 دولار.

[6] انظر التقارير السنوية للمرصد السوري (www.syriahr.com) والشبكة السوررية لحقوق الإنسان (https://snhr.org/arabic/).

[7] الشبكة السورية لحقوق الإنسان، التقرير السنوي الثالث عشر على اندلاع الحراك الشعبي الذي طالب بالحرية والكرامة، (https://snhr.org/arabic/).

[8] روبرت تابر، حرب المستضعفين، ترجمة محمود سيد الرصاص، ( المؤسسة العربية للدراسات والنشر: 1981)، ص 22.

[9] حركة سياسية عسكرية جزائرية، فجرت ثورة ضد المحتل الفرنسي بداية من سنة 1954م، واستطاعت دحره وطرده خارج البلاد سنة 1961م.

[10] الملقب بـ «أبو الأمة» ولد بمدينة تلمسان في 16 مايو 1898م، وتوفي بالعاصمة الفرنسية باريس في 3 يونيو 1974م. زعيم وطني جزائري كان واحد من المطالبين بالاستقلال عن فرنسا منذ العشرينيات، أسس العديد من الأحزاب السياسية المناضلة للاحتلال الفرنسي، وقدم تضحيات كبيرة في سياق مطالبته باستقلال الجزائر.

[11] نتيجة الصراع على النفوذ؛ نشبت حرب أمنية بين جبهة التحرير وأتباع مصالي بالحاج في الدول الأوروبية وخاصة فرنسا، أدت لمقتل المئات إن لم يكن الآلاف جراء عمليات الاغتيال التي نظمها كل طرف ضد الآخر.

[12] لمزيد من الاطلاع على الصراع الذي خاضته جبهة التحرير لإثبات وجودها في الخارج يمكنك العودة إلى كتاب “الملحمة الجزائرية” من إصدارات مركز الخطابي للدراسات، 2022م.

أسامة عيسى

باحث في الدراسات العسكرية والشأن السوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى