استراتيجيتحليلات

حزب الله: الحاضر الغائب في معركة “طوفان الأقصى”

شهر مضى على بداية معركة “طوفان الأقصى” التي بدأتها حركة حماس في 7 أكتوبر، وحزب الله اللبناني هو الحاضر الغائب الأبرز في هذه المعركة. فالحزب الذي توعد الاحتلال الإسرائيلي على مر السنوات الماضية ورفع شعار “وحدة الساحات” كغيره من جماعات “محور المقاومة” في المنطقة، أصيب مناصروه بخيبة أمل إزاء حجم حضوره في “طوفان الأقصى” حتى الآن.

طور حزب الله في السنوات الماضية ترسانته الصاروخية لتصبح الأقوى من بين جماعات “محور المقاومة”، كما رفع من كفاءة ومستوى مقاتليه وعديدهم بعد انخراطه في الحرب في سوريا إلى جانب نظام الأسد وروسيا. وفي الأشهر التي سبقت عملية “طوفان الأقصى”، أكثر الحزب من نشر المقاطع الترويجية التي يتوعد فيها بعبور الحدود مع فلسطين المحتلة ودخول الجليل والمستوطنات. ومع اشتداد الحرب الإسرائيلية على غزة، ارتقب المتابعون انخراط الحزب في المعركة التي تُعدُّ الأشد والأخطر على دولة الاحتلال منذ عقود، لكنه اكتفى بضربات يومية ومدروسة تستهدف مواقع جيش الاحتلال على طول الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة.

يعتمد الحزب في عملياته الحالية على الصواريخ الموجهة بشكل رئيسي، مستهدفًا ما يسميها بـ “التجهيزات الفنية” بالأسلحة المناسبة لتدميرها حسب بياناته. وفي المقابل، يرد جيش العدو الإسرائيلي على مصادر النيران بالقصف المدفعي والغارات الجوية، التي أسفرت منذ 7 أكتوبر عن مقتل 64 مقاتلًا من عناصر الحزب.

قبيل خطاب أمين عام حزب الله حسن نصر الله في 3 نوفمبر الجاري، نشر إعلامه الرديف ثلاثة مقاطع ترويجية أوحت بأنَّ الخطاب سيتخذ منحى تصعيديًّا تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل تزامنًا مع تصعيد ميداني. لكن الخطاب أصاب مناصري الحزب بخيبة الأمل، حيث ألقى نصر الله خطابًا طويلًا غلب عليه السرد الإخباري والتحليل السياسي متجنبًا التصعيد مع إسرائيل، كما أكد نصر الله في خطابه على أنَّ حزبه لم يكن على علم بتخطيط حماس لعملية طوفان الأقصى، وأنَّها كانت قرارًا فلسطينيًّا فقط، بل قرار حماس وحدها. وربط قرار الحزب التصعيد من جهته بتجاوزات جيش العدو تجاه المدنيين اللبنانيين وبتطورات الوضع الميداني في غزة دون تحديد خطوط حمراء.

لكن في المقابل، صعَّدَ الحزب بعد خطاب نصر الله من استهدافه المواقع الإسرائيلية، إذ أطلق لأول مرة صاروخ “بركان” نحو موقع إسرائيلي وأسقط طائرة إسرائيلية مسيرة بصاروخ أرض- جو، في رسالة استعراضية مفادها أنَّ الحزب جاهز لدخول المعركة وإلحاق خسائر كبيرة بجيش العدو.

من الواضح أنَّ مشاركة حزب الله الجزئية في الحرب تندرج ضمن القرار الإيراني بعدم دخول حرب مفتوحة حتى الآن. فطهران لا ترغب بالمخاطرة بمستقبل الجماعات الموالية لها في العراق وسوريا ولبنان واليمن- وفي طليعتها حزب الله، خاصة وأنَّ الولايات المتحدة أنذرتها مرارًا بأنَّ دخول المعركة سيكون مكلفًا.

تشير الحشود الأمريكية في المنطقة إلى جدية التهديدات الأمريكية، حيث أعلن الجيش الأمريكي في 5 نوفمبر الجاري وصول غواصة من طراز “أوهايو” تعمل بالطاقة النووية قادرة على حمل رؤوس حربية نووية إلى منطقة الشرق الأوسط. وقبل ذلك نشر البنتاغون حاملة الطائرات “جيرالد فورد“مع سفن داعمة لها شرقي البحر الأبيض المتوسط، كذلك أكد وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن في اتصال مع نظيره الإسرائيلي غالانت “التزام الولايات المتحدة بردع أي دولة أو جهة فاعلة من غير الدول تسعى إلى تصعيد هذا الصراع”.

 أمام هذه التعقيدات الميدانية، يدرك حزب الله ومن ورائه إيران والجماعات التابعة لها حساسية الموقف، ويحاولون تجنب التورط في مواجهة مباشرة مع واشنطن. وفي المقابل، يشنون ضربات محدودة تستهدف المواقع الإسرائيلية والأمريكية في محاولة لإقناع الولايات المتحدة بالعدول عن قرار القضاء على حماس.

رغم ذلك، فإنَّ استمرار المعركة في غزة وتصاعد الوحشية الإسرائيلية عبر المجازر المتكررة، فضلًا عن توغل قوات الاحتلال الإسرائيلي في عمق قطاع غزة، يضيق الهامش الذي يلعب فيه الحزب حتى الآن ويضع سرديته المتمحورة حول “فلسطين” و”المقاومة” أمام اختبار جدي، كما يدرك الحزب أنَّ تل أبيب لو استطاعت إنهاء حماس فلن تتوقف عند هذا الحد، وستستثمر الزخم الدولي لتوجيه ضربة قوية للحزب ونزع سلاحه والقضاء على التهديد الذي يشكله في جبهتها الشمالية.

يحاول حزب الله التفاعل مع ما يجري بحذر، فهو يدرك تمامًا حساسية موقفه في الداخل اللبناني بين خصومه المتربصين به. ولذا، يلوح بأوراق قوته متجنبًا خوض حرب واسعة النطاق مع إسرائيل. إنَّه بهذه الطريقة يضع الكرة في ملعب واشنطن ويدفعها للضغط على تل أبيب لإجبارها على خفض سقف مطالبها. وقد ينجح الحزب بذلك مع بعض العنف المحدود بدلًا من خوض معركة باهظة التكاليف. لكن احتمال دخوله المعركة بتوسع يظل قائمًا، فقد أبقى نصر الله خلال خطابه الباب مفتوحًا أمام كل الاحتمالات الميدانية، تحسبًا لحدوث تغيرات في الموقف الميداني تفرض عليه ذلك الخيار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى